إما أن يكون أكثر من المعاني وهذا هو الإطناب يحتاج إليه في الشروح، أو يكون من الذي لا يحسن الكلام، وقد يحتاج إليه في إفهام العوام ونحوهم.
وأما الاختصار فإنه يقوم على الإتيان بالكلمات القليلة المتضمنة للمعاني الكثيرة وهو من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - التي أوتيها وهي جوامع الكلم التي لم يؤتها أحد قبله كما في الصحيح عنه-عليه الصلاة والسلام- (( وأوتيت جوامع الكلم ) )فكان يتكلم بالكلمات اليسيرة تتضمن المباحث والأحكام والمسائل العجيبة، ولربما انطوى تحت الحديث مالا يقل من مائة مسألة وكل ذلك من الاختصار الذي جبل عليه-صلوات الله وسلامه عليه-.
ولما قال إنه سيختصر هذا الكتاب دل على أنه سيقتصر على المهمات فيه دون الاستيعاب والشمول.
[مما اتفق عليه الإمامان: أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، ومسلم بن الحجاج بن مسلم القُشَيريُّ النَّيسابوري] : قوله مما اتفق عليه الشيخان الذي اتفق عليه البخاري ومسلم لا يخلو من حالتين:
الحالة الأول: أن يكون اللفظ واحدًا فهذا متفق عليه بالإجماع.
والحالة الثانية: أن يكون الاختلاف يسيرًا ويكون المعنى واحدًا فهذا يوصف بكونه متفقًا عليه عند جمع من العلماء-رحمهم الله-، وإذا أوردوا الحديث وكان من الصنف الأول يقولون: متفق عليه ويسكتون.
وأما إذا أوردوه بالصورة الثانية: فيقولون: متفق عليه واللفظ لمسلم، أو متفق عليه واللفظ للبخاري، وما اتفق عليه الشيخان يعتبر أقوى الأحاديث ثبوتًا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكونه تضمن أعلى درجات الصحة ولوضع الله القبول لهذين الكتابين والعالمين الجليلين، ولذلك يقدم ما في الصحيحين على ما في غيرهما كما أشار إلى ذلك بعض العلماء-رحمه الله- بقوله:
أعْلَى الصَّحِيْحِ ما عَلَيْهِ اتَّفَقَا فَمَارَوَى الجعْفِيُّ فَرْدًا يُنْتَقَى
فَمُسْلِمْ كَذَاكَ بِالْشَّرْطِ عُرِفْ فَمَا لِشَرْطٍ غَيْر ذَيْنِ يكْتَنِفْ
فما اتفق عليه الشيخان فإنه مقدم على غيرهما، وحتى قال الإمام ابن حزم: أنه يفيد العلم القطعي وقد أشار بعض العلماء إلى هذه المسألة الخلافية هل هو مقطوع به أو لا؟