شروطًا ... الحديث )) فلذلك من ذكرها بعد حمد الله والثناء عليه والشهادتين وقد اختلف في أول من قالها فقيل: إن أول من قالها سحبان بن وائل خطيب العرب المفوه، وقيل: إن أول من قالها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - والأحاديث صحيحة وثابتة عنه أنه قالها في خطبه وكذلك مواعظه الخاصةً، وقيل إن أول من قالها هو داود - عليه السلام - وحملوا على ذلك قوله - سبحانه وتعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} قالوا: وفصل الخطاب هو قوله: أمابعد، والصحيح أن فصل الخطاب هو معرفة الطريقة التي يفصل بها بين الخصوم وهي البينة على المدعي كما اختاره طائفة من أئمة السلف أن المراد بقوله: {وَفَصْلَ الْخِطَابِ} أي أن الله - عز وجل - علم داود القضاء والفصل بين الخصوم إذا اختصموا بين يديه وتخاطبوا.
وقوله-رحمه الله-: [فإن بعض الإخوان سألني بعض] : هذه الجملة قصد المصنف-رحمه الله- بها أن يبين سبب التأليف، ومن عادة العلماء إذا كتبوا مقدمات الكتب أن يبينوا سبب التأليف فما كان تأليفهم للكتب عبثًا؛ وإنما كان التأليف ينبني على مقاصد وغايات، ولذلك كان من مهمات المقدمات في الكتب أن يُعتنى فيها ببيان أسباب التأليف وطريقة التصنيف والمنهج الذي سيسير عليه، ومن هنا اعتنى المصنف-رحمه الله- بهذه الركيزة من ركائز المقدمات فبين السبب الحامل على تأليف هذا الكتاب.
وفي هذه الجملة فائدة لطيفة: إذ دلت على ما كان عليه الأئمة والعلماء-رحمة الله عليهم- من الماضين حيث كانوا لا يجترئون على تأليف الكتب وكتابة المصنفات حتى يطلب منهم ذلك كل ذلك خوفًا من الرياء والسمعة على خلاف ما ابتلي به المبتلون في زماننا من حب التأليف والتصنيف حتى لربما تجد طالب العلم الذي هو في ابتداء طلبه إذا فهم مسألة واحدة كاد أن يقيم لها الدنيا ويقعدها بالتأليف والتصنيف وقد يكون في ذلك طلب للسمعة والرياء-نسأل الله السلامة والعافية-، ولذلك كانوا لا يقدمون على التأليف والتصنيف إلا من حاجة.
وقوله: فقد سألني": أي طلب مني."
[بعض إخواني أن أختصر لهم] : الاختصار في الكلام أن تكون الكلمات قليلة والمعاني كثيرة فهذا يسمى بـ (الاختصار) ، وأما إذا كان الكلام كثيرًا والمعنى قليلًا فإنه يسمى بـ (الإطناب) وإذا تساوى الكلام والمعنى قالوا: إنه مساواة وصفوه بالمساواة فهذه ثلاثة أحوال للكلام.