الصفحة 21 من 254

استفتح كتابه بسورة الحمد، ولذلك قال العلماء: يستحب استفتاح كتب العلم بحمد الله والثناء عليه، وكان - صلى الله عليه وسلم - يستفتح الخطب والمواعظ والكلمات إذا كانت جامعة للناس بحمد الله والثناء على الله بما هو أهله ففي الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة-رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما أخبر باشتراط أهل بريرة للولاء قام: فحمد الله وأثنى عليه قالت وقال: (( ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ) )فقولها قالت: فحمد الله وأثنى عليه يدل دلالةً واضحةً على سنية استفتاح الكلمات والخطب بحمد الله-جل وعلا- وفي حمد المكلف لله في استفتاح كتب العلم اعتراف بفضل الله-جل وعلا- وإحسانه حيث علم العبد ما لم يكن يعلم وكان فضله على العباد عظيمًا، واستفتح المصنف-رحمه الله- هذا الكتاب المبارك بحمد الله-جل وعلا- والله أهل أن يحمد وأن يثنى عليه ففي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما رفع رأسه من الركوع قال: (( لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد أحق ما قال العبد كلنا لك عبد أهل الثناء والمجد ) )أي أحق ما قاله العبد أن يثني عليك بما أنت أهله وقوله: (( أهل الثناء والمجد ) )أي أنت أهلٌ أن يثنى عليك وأن تمجد، ولذلك استفتح العلماء-رحمهم الله- كتب العلم بحمد الله-تبارك وتعالى- والثناء عليه.

[وأل] في الحمد الله للاستغراق فتكون اللام في قوله"لله"للاختصاص فالمعنى جميع المحامد لله-جل وعلا- ويختص بها دون ما سواه؛ لأنه لا يستحق الحمد والكمال والجلال أحد سواه-جل شأنه وتقدست أسماؤه-.

والحمد في لغة العرب: الثناء. يقولون: إذا قال الرجل للرجل فلان كريم فقد أثنى عليه إذا ذكر صفاته الجميلة، ومن هنا قال العلماء في تعريفه: هو فعل ينبئ عن تعظيم الحامد للمحمود سواءً كان منعمًا عليه أو على غيره، ومن هنا فرقوا بينه وبين الشكر؛ بأن الحمد يكون باللسان، والشكر يكون باللسان وبالجنان وبالجوارح والأركان وشكر الجنان أن يعتقد المكلف فضل الله-تبارك وتعالى- في النعم، وقد أشار الله إليه بقوله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ} أي اعتقدوا فضله - سبحانه وتعالى - بها، وشكر اللسان التحدث بنعمه والاشادة بفضله - سبحانه وتعالى -، وقد أشار الله إليه بقوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} .

وشكر الجوارح والأركان أن يستغل نعم الله-جل وعلا- في ما فيه رضوانه وطاعته وقد أشار الله-تعالى- إليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت