قد يشكل على هذا مسألة وهي كيف نحكم بالظاهر ونترك الباطن هذه مسألة الشرع في بعض الأحيان يحكم بالظاهر ويعطى الحكم على الظاهر، ويلغي الحقيقة والباطن، مثال ذلك لو أن رجلًا-والعياذ بالله- رأى امرأة على الزنى وقد رآها بعينه وشهد أنها زانية، أو شهد رجلان أو ثلاثة أنها زانية فأتي بها إلى القاضي، فلم تعترف وأنكرت، فإنه بالإجماع يجلد هؤلاء الثلاثة ويعتبرون قَذَفَة، والله-تعالى- يقول: {فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ} . فوصفهم بأنهم كاذبين بالنسبة للظاهر لكنهم في الحقيقة والباطن أنهم صادقون، ولذلك يعطى الحكم للظاهر ولكن الباطن مردّه إلى الله - عز وجل - ومن أمثلته قوله-عليه الصلاة والسلام-: (( إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فإنما أقضي له على نحو مما أسمع ) ). فدل على أن حكم الظاهر لا يبيح الباطن كما أن الباطن لا يبيح حكم الظاهر، وعلى هذا فرقت الشريعة، فما كان الشرع معتبرًا فيه لشهادة الواحد وهو دخول شهر رمضان نعتبره ملزمًا بالصيام برؤيته كما لو رآه وحده في الصحراء وأصبح في اليوم الذي يليه فإنهم كلهم يقولون: إنه يصوم.
أما بالنسبة لخروج رمضان فقد جاء النص باعتبار الشاهدين، ولم يأت استثناء كالدخول، فالدخول جاء فيه استثناء حديث ابن عمر فقبلت فيه شهادة الواحد، وأما الخروج فلم يأت فيه استثناء، فبقينا على الأصل من كونه مطالبًا بصيام هذا اليوم الذي هو الثلاثين والأصل أن الشهر كامل، وعلى هذا يقولون: إنه يقيّد بجماعة المسلمين لورود النص بتأكيد الجماعة، ففي الخروج ورد النص بتأكيد الجماعة وفي الدخول ورد النص بالاعتداد بشهادة الواحد، فخفف في الدخول ولم يخفف في الخروج، وهذا هو الذي يسميه العلماء مذهب الاحتياط، والاحتياط ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: إما احتياط ينبني على دفع الشبهة والبعد عن الريبة.