والقسم الثاني: فاسق لا تحصل بفسقه التهمة، فالفاسق الذي تحصل بفسقه التهمة كأن يكون معروفًا بالكذب، ومعروفًا بالذنوب التي هي من الكبائر والفاسق الذي لاتحصل التهمة به كأن يكون إنسانًا يشرب الخمر مثلًا؛ ولكنه لايكذب، وهذا يقع، فإنك قد ترى بعض الناس عاصيًا وترى على سمته أنه ليس بمطيع ولكنه أمين وتجده من أبر الناس بوالديه، ومحافظًا على العهد لايكذب ولايغش، فتجد مظهره على أن عنده بعض الإخلال؛ ولكن تجد في نفسه وفي قرارة قلبه ما لاتجده عند من يوصف بكونه صالحًا، وقد تجد الإنسان على سمت أو ظاهره طيب ولكنه كذاب أو غشاش أو خائن-والعياذ بالله- أو سارق أو شارب خمر في الخفية، فلذلك الحنفية-رحمة الله عليهم- يفصلون فيقولون: العبرة بالأمانة فإذا عرف بالصدق ولو كان يشرب الخمر ولو كان يزني نقبل شهادته؛ لأنه لما عرف بالصدق غلب على الظن أنه صادق فيما يقول، ولذلك قالوا: لاتقوى التهمة في رد شهادته وحينئذٍ لا نردها، والذي يظهر والله أعلم أنه لاتقبل شهادة من طعن في عدالته لقوله-تعالى-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} فأمرنا بالتثبت والتبين والتروي في خبر هذا النوع فدل على عدم قبوله؛ لأن التثبت والتروي نوع من الرد؛ لأنه لم يقبلها مباشرة، وعلى هذا فالصحيح مذهب الجمهور أنه لاتقبل شهادته سواءً كان ممن يغلب على الظن صدقه أو لا يغلب على الظن صدقه.
ولكن هنا مسألة: ذكرها شيخ الإسلام-رحمه الله- وأشار إليها ابن فرحون في التبصرة وغيرهما من العلماء كصاحب معين الحكام الذي هو الطرابلسي في كتابه مناهج القضاء لو انتشر الفسق وعم الفسق وأصبح من الصعوبة أن تجد العدل مثلًا ولو وقع شيء في مكان لاتجد فيه العدل أو قد لاتجد العدل إلا بصعوبة، وجاء شهود من نفس المكان هذا الذين هم فسّاق فهل نقبل شهادتهم أم لا؟