فأما الربوبية: فيكون الشرك فيها بان يعتقد العبد أن غير الله يخلق أو يرزق، أو يشفي المرضى، أو يدبر الأمور فإذا اعتقد أن غير الله تعالى بفعل شيئًا من الأشياء المختصة بالله تعالى في ربوبيته، فهو مشرك في الربوبية، و هذا الشرك في الربوبية لم يقع من المشركين في الزمن الأول، و إنما اختص به المشركون في الزمن الأخير، فيوجد في العصور المتأخرة من يعتقد أن بعض الأولياء و الموتى و أصحاب القبور يستطيعون أن يغيثوا الملهوف و ينجدوا المستنجد، و يشفوا المرضى، و يرزقوا من لا يلد الولد، و يرزقوا الفقير فيغنوه إلى غير ذلك من الإعتقادات، و هذه كلها من خصائص الله، و المشركون لم يكونوا يعتقدون هذا في أصنامهم، ما كانوا يعتقدون أنه الأصنام و الأوثان التي يعبدونها، ما كانوا يعتقدون أنها ترزق و لا تخلق و لا تنجد. و لذا قال الله تعالى وصفًا لحالهم: (فإذا ركبوا في الفلك) يعني في السفن في البحر (دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون) أي لما وصلوا إلى البر و اطمأنوا أشركوا مع الله غيره، و لما كانوا في الفلك علموا أن لا ينجيهم إلا الله، و النبي صلى الله عليه و سلم قال لحصين: يا حصين كم تعبد؟ قال: سبعة، ستة في الأرض و واحد في السماء. قال: فمن تجعل لرغبك و رهبك؟ إذا أردت شيء أو حقت من شيء من تدعوا؟ قال: الذي في السماء. قال: يا حصين أسلم، فأسلم رضي الله تعالى عنه. فحتى المشركون كانوا يعلمون أنه لا ينجي و لا ينفع و لا يضر إلا الله، لكنهم كانوا يصرفون شيء من العبادة لغير الله، يطوفون أو ينذرون أو يذبحون لغير الله فقط، أما في هذا الزمن فإذا قرأت تراجم الصوفية تجد أنهم يقولون: كان يحيي الموتى، و كان يرزق المرأة التي لا تلد بالولد، و إلى آخر هذه الخزعبلات التي لا يصدقها عقل، و هي أقبح من شرك المشركين الأولين.