وأصح الكتب التي ألفت في الصحيح هو صحيح البخاري ، وهو قول جماهير أهل العلم ، وخالف في ذلك بعض أهل العلم ، وخاصة المغاربة منهم (كابن حزم رحمه الله) وبعض المشارقة كأبي حاتم وأبي زرعة الرازيان ، وقال أبو علي النيسابوري: (ما تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم ) وأجاب العلماء على هذا بأن تفضيل ابن حزم ومن تابعه من المغاربة وبعض المشارقة لا علاقة له بالصحة وإنما يرجع ذلك إلى تفوق صحيح مسلم على صحيح البخاري في الصناعة الحديثية ، فعلى سبيل المثال اقتصر مسلم في أغلب الأحيان على المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقط ، مع ملاحظة أن مقدمة كتابه ليست على شرطه ، وأما بالنسبة لقول أبي علي النيسابوري ، فقد أجاب عنه الحافظ بقوله بأنه لا يستفاد من هذا القول تفضيل وإنما قال أبو علي بأنه لا يعلم كتابا أصح من مسلم وهذا يمنع وجود كتاب أصح ولكنه لا يمنع وجود كتاب يماثله في الصحة ، وهذا الجواب فيه نظر كما قال الصنعاني ، وأجاب البعض بأنه لم يصله صحيح البخاري .
ولا شك أن الرأي الراجح هو الرأي الأول لأسباب من أهمها:
أن رجال البخاري أعلى من رجال مسلم حيث تكلم في 80 رجلا من رجال البخاري (وأكثر ما خرج لهم البخاري في المتابعات والشواهد ولم يحتج إلا بالقليل منهم في أحاديث قليلة) و 160 رجلا من رجال مسلم (وقد خرج مسلم لكثير منهم احتجاجا أحاديث كثيرة فأخرج لهم صحائف بأكملها ، فقد عرف عنه رحمه الله الإهتمام بالصحف الحديثية) ، ونلاحظ أيضا أن أكثر من تكلم فيهم من شيوخ البخاري هم من شيوخه الذين سبر مروياتهم وعرف صحيحها من سقيمها (ولا أدل على ذلك من صنيعه مع شيخه اسماعيل بن أبي أويس لما انتخب له البخاري أحاديث من كتابه فكان اسماعيل لا يحدث إلا بها) ، أما مسلم فكثير ممن تكلم فيهم من رجال صحيحه هم شيوخ من طبقات أعلى من طبقة شيوخه (أي أنه لم يلقهم) .