وهؤلاء من فرط جهلهم، لا يعلمون أن الإسراء كان بمكة، كما قال تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} ، [الإسراء: 1]
وأن الصفة لم تكن إلا في المدينة، وكانت صفة في شمالي مسجده - صلى الله عليه وسلم -، ينزل بها الغرباء الذين ليس لهم أهل وأصحاب ينزلون عندهم، فإن المؤمنين كانوا يهاجرون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، فمن أمكنه أن ينزل في مكان نزل به، ومن تعذر ذلك عليه نزل في المسجد إلى أن يتيسر له مكان ينتقل إليه.
ولم يكن أهل الصفة ناسًا بأعيانهم يلازمون الصفة، بل كانوا يقلون تارة، ويكثرون أخرى، ويقيم الرجل بها زمانًا، ثم ينتقل منها.
والذين ينزلون بها هم من جنس سائر المسلمين، ليس لهم مزية في علم ولا دين، بل فيهم من ارتد عن الإسلام وقتله النبي - صلى الله عليه وسلم -، كالعرنيين الذين اجتووا المدينة، أي استوخموها، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بلقاح، أي إبل لها لبن، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فلما صحوا، قتلوا الراعي، واستاقوا الذود، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - في طلبهم، فأتى بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون.
وحديثهم في الصحيحين [أخرجه البخاري في كتاب (الحدود) باب: لم يسق المرتدون المحاربون حتى ماتوا، ونصه: قدم رهط من عكا على النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا في صفة فاجتووا المدينة، فقالوا: يا رسول الله: أبغنا رسلا، فقال: (( ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله ) )فاتوها فشربوا من ألبانها وأبوالها حتى صحوا وسمنوا وقتلوا الراعي واستاقوا الذود، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصريخ، فبعث الطلب في آثارهم، فما ترجل النهار حتى أتى بهم، فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم، ثم القوا في