والسنة البداءة بالجانب الأيمن لهذا، ويخير بين الحلق والتقصير كما اقتضاه كلام الخرقي، ولا ريب فيه. وقد قال سبحانه وتعالى: {محلقين رؤوسكم ومقصرين} [1] . قال [ابن عمر] [2] - رضي الله عنهما:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق في حجة الوداع، وأناس من أصحابه وقصر بعضهم"متفق عليه. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم:"أنه دعا للمقصرين والمحلقين بالرحمة"وفي رواية:"بالمغفرة، ثلاثًا، وللمقصرين مرة" [3] والأولى الحلق، ولهذا قدمه الخرقي اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال صلى الله عليه وسلم:"اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: يا رسول الله وللمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين. قال: وللمقصرين"قال ذلك في الثالثة أو الرابعة.
والحكمة في ذلك - والله أعلم - أنه أبلغ في العبادة وأدل على صدق النية لله تعالى، لأن المقصر مبق على نفسه بعض الزينة التي ينبغي للحاج أن يكون مجانبًا لها.
وقيل إن سبب دعائه صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثًا، أنه لما أمرهم يوم الحديبية بالحلاق لم يقم أحد منهم لما في أنفسهم من أمر الصلح، فلما حلق النبي صلى الله عليه وسلم ودعا للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة تبادروا إلى ذلك. لكن قد ورد في مسلم من حديث أم الحصين:"أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة"وهذا يدل على أن الحديبية لم يكن لها اختصاص بذلك.
وهل يستثنى من ذلك من لبد أو عقص أو ظفر؟ ظاهر كلام الخرقي وكثير من الأصحاب عدم استثنائه وعموم كلام أحمد يقتضيه. قال في رواية
(1) الآية 27 من سورة الفتح.
(2) في النسخة"ب":"ابن عباس".
(3) أخرجه البخاري في الحج (27) ، ومسلم في الحج (316، 318) ، وأبو داود في المناسك (78) ، والترمذي في الحج (47) ، وابن ماجه في المناسك (71) ، والدارمي في المناسك (64) ، والإمام مالك في الموطأ في الحج (184) ، والإمام أحمد في 1/ 216، 353.