ثم لو سلم التساوي فحديث ابن عباس فعل، وتلك قول، والقول مقدم بلا ريب، لعدم عموم الفعل، واحتمال خصوصيته به صلى الله عليه وسلم.
ثم على تقدير عمومه لنا بدليل دعوى النسخ، فنسي حديث ابن عباس أولى، لأنه موافق لحكم الأصل، فنسخه يلزم منه مخالفة الأصل مرة واحدة، ونسخ أفطر الحاجم والمحجوم، يلزم منه مخالفة الأصل مرتين، لأن هذا القول خلاف الأصل، ونسخه خلاف الأصل، إنتهى.
ويفطر الحاجم كما يفطر المحجوم بنص الحديث، وكان حق الخرقي - رحمه الله - أن ينبه على ذلك. والحجم في الساق كالحجم في القفا، نص عليه أحمد، ولا يشترط خروج الدم، بل يناط الحكم بالشرط. وفي الفصد وجهان، أصحهما - وبه قطع القاضي في التعليق لا يفطر.
وعلى الوجه الآخر في الشرط احتمالان. وأما الفطر بالإستعاط، وهو أن يجعل في أنفه سعوطًا، وهو دواء يجعل في الأنف، والمراد هنا ما يدخل في الأنف من دواء وغيره، فلقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة:"وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا فلولا أن المبالغة في الاستنشاق تؤثر في الصوم لم ينه عنه" [1] .
وأما الفطر بكل ما دخل إلى الجوف من أي موضع كان، سواء وصل من الفم على العادة، أو على غير العادة، كالوجور أو من الأنف كالسعوط، أو دخل من الأذن إلى الدماغ، أو دخل من العين إلى الحلق، كالكحل الحاد أو
(1) أخرجه الترمذي في الصوم (68) ، وأخرجه أبو داود في الطهارة (56) ، وفي الصوم (27) ، والنسائي في الطهارة (70) ، وابن ماجه في الطهارة (44) والإمام أحمد في 4/ 33.