إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء. فسمع النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة - رضي الله عنها -، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق" [1] متفق عليه. واللفظ للبخاري."
وهذا ظاهر في أنها بيعت في كتابتها قبل أن تعجز وترق بعلم النبي صلى الله عليه وسلم، بل وأمره، لقولها:"فأعينيني"وأخبار [عائشة] [2] النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وقوله صلى الله عليه وسلم لها:"خذيها"وعند مسلم:"اشتريها"وفي لفظ"ابتاعي"ولهذا قال ابن المنذر: بيعت بريرة بعلم النبي صلى الله عليه وسلم وهي مكاتبة. ولم ينكر ذلك، ولا أعلم خبرًا يعارض ذلك، ولا دليلا من خبر على عجزها.
وعن أحمد رواية أخرى: لا يجوز المكاتب. أومأ إليها في رواية أبي طالب، وسأله: هل يطأ مكاتبته؟ قال: لا يطأها، لأنه لا يقدر أن يبيعها ولا يهبها، وذلك لأن سبب العتق قد ثبت له على وجه لا يستقل السيد برفعه، فمنع البيع كالاستيلاد. وأجيب بمنع القياس مع النص، ثم إن لنا في أم الولد منعًا على الرواية.
وعلى المذهب: الفرق أن سبب مستقرّ لا سبيل إلى فسخه بحال، والمكاتب ليس كذلك لجواز عوده رقيقًا. وعن أحمد رواية ثالثة، حكاها أبي موسى: يجوز بيع المكاتب بقدر مال الكتابة لصورة النص ولا يجوز بأكثر منها اعتمادًا على القياس السابق.
(1) أخرجه البخاري في الشروط (3، 10، 13، 17) ، ومسلم في العتق (5، 6، 8، 10) ، وأبو داود في الفرائض (12) ، والترمذي في الولاء (1) ، والنسائي في الزكاة (99) ، وابن ماجه في الطلاق (29) ، والدارمي في الفرائض (51، 53) ، ومالك في العتق (17، 18، 19) . وأحمد في 1/ 281، 321، وفي 2/ 28، 100، وفي 6/ 33.
(2) من نسخة"ج".