تعقب جملا عاد إلى جميعها ما لم يمنع منه مانع وبيان ذلك له موضع آخر، ويدل عليه هنا ما يروى عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول لأبي بكر رضي الله عنه حين شهد على المغيرة بن شعبة رضي الله عنه:"تب أقبل شهادتك"ولم ينكر ذلك منكر، فكان إجماعًا. قال سعيد بن المسيب:"شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة رجال: أبو بكرة، ونافع ابن الحارث وشبل بن معبد. ونكل زياد، فجلد عمر رضي الله عنه الثلاثة وقال لهم: توبوا تقبل شهادتكم، فتاب رجلان وقبل عمر شهادتهما [وأبا] [1] أبو بكرة فلم يقبل شهادته، وكان قد عاد مثل النصل من العبادة".
وما رواه ابن ماجه بسنده، عن عمرو بن شعي، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام" [2] فقال ابن عبد البر: لم يرفعه من في روايته حجة، ثم يدلّ على ضعفه قبول شهادة كل محدود تائب في غير القذف. انتهى. واللام في القاذف للعهد، أي القاذف بالزنا، ويحتمل أنها للجنس فيدخل فيه القذف بالشتم ونحوه، وهو أمشى على ما قاله أبو محمد فإنه قال: أي القاذف بالشتم تردّ شهادته وروايته. وهذا يدلّ على أن القذف بالشتم ونحوه عنده كبيرة، وإلا كان اعتبر تكرر ذلك. وإطلاق الخرقي يقتضي وإن لم يجلد وهو كذلك عندنا، لأن الله سبحانه رتب على رمي المحصنات ثلائة أشياء: الجلد، وانتفاء الشهادة، والفسق. فتبين بمجرد الرمي.
تنبيه: إذا جاء القاذف مجيء الشاهد، كما في قصة شهدوا على المغيرة فإن شهادته ترد، روايته بدليل ما تقدم عن عمر في حق أبي بكرة - رضي الله عنهما - مع أنه مقبول الرواية بلا تردد، بخلاف من قصد الشتم والقذف فان شهادته وخبره وفتياه، لا تقبل حتى يتوب.
(1) ما بين المعكوفين ساقط من النسخة"أ"وأثبتناه من النسخة"ج".
(2) أخرجه أبو داود في الأقضية (16) ، والترمذي في الشهادات (2) ، وابن ماجه في الأحكام (30) ، وأحمد في 2/ 181، 204، 208، 225.