العدالة أمر زائد على الإسلام، ولو سلم هذا فيعارض بأن الغالب - لا سيما في زماننا هذا - الخروج عنها. وقد يلتزم بأن الفسق مانع. ويقال: المانع لابد من تحقق ظن عدمه كالصبي، والكفر.
إذا تقرر هذا، فإذا عرف الحاكم عدالة الشاهد أو فسقه عمل على ذلك [1] ، كما أشار إليه الخرقي بقوله: لا يعرفه لما تقدم من أن الحاكم يحكم بعلمه في ذلك، وإن جهلهما فعلى الأولى إن كان مسلمًا قبل شهادته ما لم يظهر منه ريبة من غفلة أو غير ذلك، ولم يقدح فيه خصمه، فإن جهل إسلامه فلا بد من المعرفة به، وذلك إما بخبره عن نفسه بأنه مسلم، أو بإتيانه بما يصير به مسلمًا، وإما بنية أو اعتراف من المشهود عليه، ولا يكتفي بظاهر الذات، وإن جهل حريته حيث تعتبر فلابد من معرفتها إما ببينة، وإما باعتراف المشهود عليه. وهل يرجع إلى قول الشاهد في ذلك؟ فيه وجهان، الذي جزم به أبو محمد: لا، إذ لا يملك أن يصير حرًّا فلا يملك الإقرار بذلك، بخلاف الإسلام، وإن ارتاب، أو قدح فيه خصمه سأل عنه كما يسأل عن عدالته على الرواية الثانية بلا ريب، وذلك بأن يكتب الحاكم ما يعرف به الشاهد في الجملة، فيكتب اسمه وكنيته وحليته ونسبه وصنعته وسوقه ومسجده ومسكنه، ويكتب اسم المشهود له حذار من أن يكون بينه وبين المشهود له ما يمنع قبول شهادته له. ويكتب قدر الدين، لأن قد يرون قبوله في اليسير دون الكثير في رقاع، ويدفعها إلى أصحاب مسائله الذين يعرفون بحال من جهل حاله، ثم إذا أخبره منهم اثنان بجرح أو تعديل اعتمد عليه. وهل يراعي في أصحاب مسائله شروط الشهادة بالجرح والتعديل والعدد ولفظ الشهادة عند الحاكم، أو في المسؤولين على وجهين. والله أعلم.
(1) وقال القاضي: هذا ليس بحكم، لأنه يعدل هو ويجرح غيره، ويخرج هو ويعدل غيره. ولو كان حكمًا لم يكن لغيره نقضه. وقال في الترغيب: الحكم بالشهادة، لا بهما. (الإنصاف: 11/ 285) .