أنه قال: أكل الميتة إنما يكون في السفر. قال أبو محمد: يعني أنه في الحضر يمكنه السؤال. قال: وهذا من أحمد خرج مخرج الغالب، إذ الغالب وجود الطعام الحلال في الحضر، ودفع الضرورة بالسؤال.
قلت: وظاهر هذا التقرير أن الميتة لا تباح لمن يقدر على دفع الضرورة بالمسألة. وقد قال أبو محمد: أنه ظاهر كلام أحمد انتهى. وكلام الخرقي في شمولة للمسافر يشمل السفر الجائز والمحرم وهو اختيار صاحب التلخيص. وقال عامة الأصحاب: لا يباح للعاصي في سفره تناول الميتة بحال، وأصل هذا أن قوله تعالى: {غير باغ} هل هو غير باغ على المسلمين أو غير باغ على مضطر آخر بالاستئثار عليه. أو غير أكلها تلذذًا، فيه ثلاث أقوال للمفسرين وكذلك قوله تعالى: {غير متجانف لإثم} هل التجانف بالسفر أو بزيادة على سد الرمق، فيه أيضًا قولان، ويرجح ظاهر إطلاق الخرقي قوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [1] بأن أكل الميتة عزيمة واجبة حتى لو امتنع كان عاصيًا، كما هو المشهور من الوجهين لهذه الآية الكريمة، وهو ظاهر كلام أحمد، وقال في رواية الأثرم وقد سئل عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل. فذكر قول مسروق:"من اضطر فلم يأكل ولم يشرب فمات دخل النار". وعلى هذا اعتمد صاحب التلخيص. وقد يقال إن أصل هذا الخلاف أن المسكين إذا امتنع من المسألة حتى مات، هل يأثم أم لا؟ قال القاضي: كلام أحمد يقتضي روايتين، فإن قلنا يأثم وجب الأكل، وإن قلنا لا يأثم لم يجب الأكل.
تنبيه: حكم جميع المحرمات حكم الميتة فيما تقدم في الجملة، والحرة أرض تركبها حجارة سود، وضلت أي ضاعت، ونفقت: أي ماتت.
(قال) : ومن مر بثمرة فله أن يأكل منها ولا يحمل.
(1) الآية 29 من سورة النساء.