كذلك نحو ذلك لما روى جابر:"أن النبي نهى عن المحاقلة والمزابنة والثنيا، إلا أن تعلم" [1] رواه النسائي والترمذي وصححه. وهذه الثنيا معلومة فصحت بمقتضى الحديث ولأن مثال ذلك إذا كان في الحائط مائة نخلة مثلًا واستثنى نخلة منه [فقال] : بعتك تسعة وتسعين. ولا إشكال أيضًا في منع الثنيا إذا كانت مجهولة كما لو قال والحال ما تقدم: إلا نخلة، أو إلا جزءًا من الثمرة ونحو ذلك للحديث أيضًا. ولأن جهالة المستثنى تفضي إلى جهالة المستثنى منه، ومن شرط المبيع كونه معلومًا، بدليل نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، ونحو ذلك.
واختلف فيما إذا باع حائطًا واستثنى منه صاعًا أو صبرة لا يعلم قفزانها، واستثنى منها قفيزًا ونحو ذلك أو باع حائطًا واستثنى ثلث ثمرته أو ربعها، أو صبرة واستثنى سبعها أو ثمنها ونحو ذلك، على ثلاث روايات: أحدها: الصحة في الجميع اعتمادًا على الحديث، إذ الثنيا والحال هذه معلومة. وقد قيل إنه إجماع أهل المدينة.
والثانية: وهي اختيار أبي بكر، وابن أبي موسى: عدم الصحة في الجميع، لأن الثنيا والحال هذه تفضي إلى جهالة المبيع، وبيانه أن المبيع والحالة هذه إنما علم بالمشاهدة، وبعد إخراج المستثنى تختل المشاهدة. وإذن يدعى تخصيص الحديث لذلك [2] .
والثالثة: يصح في إلا ثلثها أو سبعها ونحو ذلك إذ معناه بعتك ثلثيها، أو بعتك ستة أسباعها، وهو معلوم ولا يصح في إلا صاعًا، إلا قفيزًا ونحو ذلك، لما تقدم من أن يصحح للبيع والحال هذه الرؤية. وبإخراج الصاع ونحوه يختل وهذه الرواية اختيار القاضي وجماعة من أصحابه وأبي محمد، وغيرهم.
واختلف الأصحاب فيما إذا باع نخلة واستثنى منها صاعًا ونحو ذلك - فأجرى أبو محمد فيه الخلاف. وقطع القاضي في شرحه، وجامعه الصغير
(1) رواه النسائي في البيوع (74) والأيمان (45) ، والترمذي في البيوع (55) .
(2) وهذا لا يؤدي إلى جهالة المستثنى ولا المستثنى منه، فصح كما لو اشترى شجرة بعينها. وذلك لأن معنى بعتك هذه الصبرة إلا ثلثيها: بعتك ثلثيها. (المغني والشرح الكبير: 4/ 214) .