ولما قالت الأنصار أو قال بعض الأنصار: أعطى المهاجرين وتركنا، أمر بهم فقال لهم: يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم، استفهم مع أنه على علم ويقين أنهم قالوا، لكن من باب التثبت في الخبر وحتى يعلموا قولهم، أو يعلموا خطأهم بتقريرهم عليه، فما القول في بعض دعاة الخير، من يبني بغضه لشخص لمجرد خبر وصل إلى سمعه، وقد يكون الخبر مكذوبًا، وقد يكون الخبر مبالغًا فيه، وقد يكون الخبر من شامت أراد الشماتة بأخيه، فكان الأولى بك، أن تنهج هذا النهج ما مقالة بلغتني عنكم أنتم الذين قلتم كذا وكذا: { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ } [1] .
قوله: أما والله إني لأخشاكم لله، فيه جواز تزكية المرء لنفسه للمصلحة، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أتقى الخلق لله، وأكرم الخلق على الله، وقد ذكر العلماء في مباحث تزكية النفس أنها مكروهة في حق الناس: { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) } [2] { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ } [3] .
وفي الحديث الصحيح:"لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم"إلا إذا كان في التزكية مصلحة، كما قال يوسف عليه السلام: { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) } [4]
.ـــــــــــــــ
(1) - سورة الحجرات آية: 6.
(2) - سورة النجم آية: 32.
(3) - سورة النساء آية: 49.
(4) - سورة يوسف آية: 55.