اليسير الذي استعمل في رفع حدث يعتبر ماء طاهرًا وليس بطهور؛ يعني لا يجوز به رفع الحدث ولا يستعمل أيضًا في إزالة الخبث. لكن قوله يسير، فإذا كان الماء كثيرًا هل يسلبه الطهورية؟ مثال ذلك، بركة من الماء مثلًا، فيها أكثر من قلتين، فيها قلتين، أو ثلاث أو أربع أو خمس، فجاء إنسان وانغمس في هذا الماء ونوى رفع الجنابة، ارتفع حدثه بهذا الماء، فهل هذا الماء نعتبره طاهر أو طهور؟ المصنف يقول طهور. لماذا؟ لأنه كثير وليس بيسير، لكن لو كان هذا الماء قلّة ونصف مثلًا، فجاء جنب وانغمس في هذا الماء، ونوى رفع الحدث ثم خرج، فماذا يصبح هذا الماء؟ طاهر وليس بطهور. قال المصنف: وَمِنْهُ يَسِيرٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي رَفْعِ حَدَث. إذًا لماذا حكمنا أن الماء الذي تغير بالممازج طاهر وليس بطهور؟ نقول: أن هذه المسألة بالإجماع، أن الماء إذا خرج بالتغير الكثير، خرج عن اسمه لا يسمى ماء أصلًا، فخرج عن كونه ماء، أصبح شيئًا آخر، والله سبحانه وتعالى إنما أمرنا بالطهارة بالماء، ولم يأمرنا بشيء آخر، فالإجماع منعقد على أن المتغير تغيرًا كثيرًا بشيء طاهر لا يستعمل في رفع الحدث ولا في زوال الخبث.
الأمر الثاني، المسألة الثانية، وهي اليسير الذي استعمل في رفع الحدث، في طهارة واجبة أو في رفع الحدث، ما هو الدليل على أن المستعمل طاهر وليس بطهور؟ يستدلون لذلك بحديث النهي:"أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى أن يغتسل أحدُنا في الماء الدائم وهو جُنُب". قالوا: لما نهى النبي صلى الله عليه و سلم الرجل عن الاغتسال في الماء الدائم وهو جنب. فهموا منه أن هذا الاغتسال يؤثر في الماء. ما هو التأثير؟ يقولون: هذا التأثير معناه أن هذا الاغتسال فيه سيسلبه الطهورية. إذًا أين سيذهب هذا الماء؟ سيخرج من كونه طهور إما إلى الطاهر، أو إلى النجس. لماذا لا نقول إنه نجس؟ قالوا: لأنه بالإجماع أن هذا الماء ليس بنجس، وجاءت نصوص كثيرة تدل على عدم نجاسة هذا الماء، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه و سلم توضأ فصبَّ من وضوءه على جابر، وكان مريض، وكان الصحابة رضي الله عنهم يأخذون فضل وضوء النبي صلى الله عليه و سلم، وهذه خاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام لا يلتحق بها غيره، يأخذون أثر النبي صلى الله عليه و سلم فيمسحون به أجسامهم، فدلَّ هذا على أن الماء المستعمل في الطهارة ليس بنجس، وإلا ما كان استعمله الصحابة، فلم يبقى إلا خيار واحد، وهو أن هذا الماء طاهر وليس بطهور. قد يقال بأن هذا الحديث ليس بنص، لاحتمال أن يكون نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن هذا الاغتسال لعدم تقذير الماء فقط، وهذا قال به بعض أهل العلم، لكن الحنابلة أن هذا يسلبه الطهورية ويقولون أن النبي صلى الله عليه و سلم نصَّ على الجنابة، قال: