ولمسلم عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرف على أطم من آطام المدينة"أشرف بمعنى صعد على أطم، أو أشرف وهو على أطم من آطام المدينة، والأطم: هو البناء العالي، فُسر بالحصن، يعني الحصن من حصون المدينة، ومن شأن الحصن أن يكون عاليا، فالرسول أشرف على المدينة من ذلك الحصن فقال:"هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن بين بيوتكم كمواقع القطر"الله أعلم كيف رآها، لا بد أن الله أطلعه على ما سيكون من تلك الفتن، لكن كيف رآها؟ رآها ممثلة؟ أو رآها يعني بقلبه لما أطلعه الله عليه فكأنها رأي عين، إني لأرى الفتن بين بيوتكم، كثيرا ما تطلق الفتن في الأحاديث على القتال، على قتال الظالم، وعلى قتال الملتبس الذي لم تتميز وتتحقق شريعته، تطلق الفتن على الهرج الذي هو القتل"إني لأرى الفتن بين بيوتكم، مواقع الفتن بين بيوتكم كمواقع القطر".
وحمله العلماء -يعني باجتهاد، والله أعلم بحقيقة ذلك- حملوه على ما جرى عند يعني ما جرى في خلافة عثمان في آخر الأمر، عندما ثار عليه المفسدون والمغرضون والمنافقون، ثاروا عليه وتحججوا، وادعوا عليه دعاوى، وأحاطوا به، وتجمعوا في المدينة، وحاصروه في داره - رضي الله عنه - حتى قتلوه، فلما قتلوا الخليفة أصبحت المدينة تموج بأولئك الأوباش والأشرار، تموج، فهذه هي كبرى وأولى الفتن التي جرت في المدينة، وكفى بها مصيبة، مصيبة عظمى على الإسلام والمسلمين.