وَيَرَى الْإِمَامُ السُّيُوطِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَارِقِينَ أَخَذُوا يُؤَوِّلُونَ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ النَّبَوِيَّ عَلَى مُصْطَلَحِ لِسَانِ يُونَانَ، وَمُنْطَلِقِ أَرِسْطَاطَالِيسَ وَمَا نَزَلَ الْقُرْآنُ إِلَّا بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَبِبَيَانِ الْعَرَبِ، قَالَ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ.
فَمَنْ عَدَلَ عَنْ لِسَانِ الشَّرْعِ إِلَى لِسَانِ غَيْرِهِ، وَخَرَجَ عَنْ الْوَارِدِ مِنْ نُصُوصِ الشَّرْعِ جَهِلَ وَضَلَّ.
وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ الْأَجِلَّاءُ مَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ، قَالَ جَاءَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ إِلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ يُنَاظِرُهُ فِي وُجُوبِ عَذَابِ الْفَاسِقِ، فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَمْرِو، اللَّهُ يُخْلِفُ وَعْدَهُ؟.
فَقَالَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ.
فَقَالَ عَمْرٌو فَقَدْ قَالَ وَذَكَرَ آيَةَ وَعِيدٍ.
فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنَ الْعُجْمَةِ أُتِيتَ الْوَعِيدُ غَيْرَ الْإِيعَادِ، ثُمَّ أَنْشَدَ
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ وَوَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
هَلْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ
وَنَصِلُ إِلَى السُّؤَالِ الثَّانِي هَلْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ بِحَاجَةٍ إِلَى عِلْمِ الْكَلَامِ حِينَ قَامَ؟.
يَرَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْعَقَائِدَ ثَابِتَةٌ فِي الْقُرْآنِ، وَأَوْضَحَتْهَا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ، فَلَا حَاجَةَ إِذَنْ إِلَى عِلْمِ الْكَلَامِ.
هَذَا عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ هُوَ عِلْمٌ يُقْتَدَرُ مَعَهُ عَلَى إِثْبَاتِ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ عَلَى الْغَيْرِ، بِإِيرَادِ الْحُجَجِ وَدَفْعِ الشُّبَهِ، كَمَا يَقُولُ"التَّفْتَازَانِيُّ"فِي شَرْحِهِ لِلْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ.
وَيَقُولُونَ أَيْضًا لَوْ كَانَ عِلْمُ الْكَلَامِ هُدًى وَرَشَادًا لَتَكَلَّمَ فِيهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَخُلَفَاؤُهُ وَأَصْحَابُهُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَمُتْ حَتَّى تَكَلَّمَ فِي كُلِّ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَبَيَّنَهُ بَيَانًا شَافِيًا، وَلَمْ يَتْرُكْ بَعْدَهُ لِأَحَدٍ مَقَالًا فِيمَا لِلْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِ حَاجَةٌ مِنْ أُمُورِ دِينِهِمْ، وَمَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَيُبَاعِدُهُمْ عَنْ سَخَطِهِ فَلَمَّا لَمْ يَرْوُوا عَنْهُ الْكَلَامَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ عَلِمْنَا أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ بِدْعَةٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ ضَلَالَةٌ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَيْرًا لَمَا فَاتَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ- وَلَتَكَلَّمُوا فِيهِ.
وَقَالُوا أَيْضًا وَلِأَنَّهَ لَيْسَ يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونُوا عَلِمُوهُ فَسَكَتُوا عَنْهُ، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوهُ، بَلْ جَهِلُوهُ.