فَإِنْ كَانُوا عَلِمُوهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِيهِ وَسِعَنَا -أَيْضًا- نَحْنُ السُّكُوتُ عَنْهُ، كَمَا وَسِعَهُمْ السُّكُوتُ عَنْهُ، وَوَسِعَنَا تَرْكُ الْخَوْضِ فِيهِ كَمَا وَسِعَهُمْ تَرْكُ الْخَوْضِ فِيهِ؛ وَلِأَنْهَ لَوْ كَانَ مِنْ الدِّينِ مَا وَسِعَهُمْ السُّكُوتُ عَنْهُ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَعْلَمُوهُ وَسِعَنَا جَهْلُهُ، كَمَا وَسِعَ أُولَئِكَ جَهْلُهُ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الَّذِينَ لَمْ يَجْهَلُوهُ فَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ الْكَلَامُ فِيهِ بِدْعَةٌ، وَالْخَوْضُ فِيهِ ضَلَالَةٌ.
وَلَسْنَا فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ، كَمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْأُوَلُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ.
مَوْقِفُ السَّلَفِ مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ
وَيَكَادُ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَالتَّابِعُونَ مِنْ بَعْدِهِمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ بِدْعَةٌ، وَبِدْعَةٌ كَانَ لَهَا أَكْبَرُ الْأَثَرِ فِي تَشْتِيتِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَشْتِيتِ وِحْدَتِهِمْ.
حَتَّى الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ خَدَعَهُمْ بَرِيقُ الْجَدَلِ، وَأَخَذَ بِلُبِّهِمْ بَهْرَجُهُ الزَّائِفُ عَادُوا فِي أُخْرَيَاتِ حَيَاتِهِمْ يَتُوبُونَ مِنْهُ، وَيُوصُونَ غَيْرَهُمْ بِالْبُعْدِ عَنْهُ، وَعَدَمِ الِاقْتِرَابِ مِنْ مَنْهَلِهِ.
يُرْوَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ قَالَ كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانَ الْكَرَابِيسِيُّ خَالِيَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِبَنِيهِ"تَعْلَمُونَ أَحَدًا أَعْلَمُ بِالْكَلَامِ مِنِّي."
قَالُوا لَا.
قَالَ فَتَتَّهِمُونِي.
قَالُوا لَا.
قَالَ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ أَتَقْبَلُونَ.
قَالُوا نَعَمْ.
قَالَ عَلَيْكُمْ بِمَا عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ; فَإِنِّي رَأَيْتُ الْحَقَّ مَعَهُمْ"."
وَكَانَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ يَقُولُ لَقَدْ جُلْتُ أَهْلَ الْإِسْلَامِ جَوْلَةً وَعُلُومَهُمْ، وَرَكِبْتُ الْبَحْرَ الْأَعْظَمَ، وَغُصْتُ فِي الَّذِي نُهُوا عَنْهُ، كُلُّ ذَلِكَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ، وَهَرَبًا مِنْ التَّقْلِيدِ، وَالْآنَ فَقَدْ رَجَعْتُ عَنْ الْكُلِّ إِلَى كَلِمَةِ الْحَقِّ، عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْنِي الْحَقُّ بِلَطِيفِ بِرِّهِ، فَأَمُوتُ عَلَى دِينِ الْعَجَائِزِ، وَيُخْتَمُ عَاقِبَةُ أَمْرِي عِنْدَ الرَّحِيلِ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، فَالْوَيْلُ لِابْنِ الْجُوَيْنِيِّ.