الصفحة 6 من 339

إِنَّنَا نَرَى -وَيُشَارِكُنَا فِي رَايِنَا هَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ- أَنَّ تَطَلُّعَ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى تُرَاثِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ -كَدَوْلَةِ الْفُرْسِ وَالْيُونَانِ- وَعُكُوفَهُمْ عَلَى تَرْجَمَةِ هَذِهِ الْكُتُبِ عَامِلٌ جَوْهَرِيٌّ فِي تَعَرُّفِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عِلْمِ الْكَلَامِ، وَحَذْقِهِمْ لِأَدَوَاتِهِ أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا تَسَرُّبَ الْأَفْكَارِ الْيَهُودِيَّةِ وَالْمَسِيحِيَّةِ إِلَى بَعْضِ مُفَكِّرِي الْمُسْلِمِينَ عَنْ طَرِيقِ الْجِوَارِ وَالِاحْتِكَاكِ.

وَمِنْ هَذِهِ الْأَفْكَارِ مَا رَدَّدَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَجْبُورٌ تَمَامًا عَلَى فِعْلِ أَفْعَالِهِ، وَهِيَ تُنْسَبُ إِلَيْهِ كَمَا تُنْسَبُ الْأَفْعَالُ إِلَى الْجَمَادَاتِ.

وَمَا رَدَّدَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَفْعَلُ الْأَفْعَالَ بِاخْتِيَارِهِ، وَيَخْلُقُهَا بِقُدْرَتِهِ.

وَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ -فِي نَفْيِ الْقَدَرِ وَإِثْبَاتِهِ - هُمَا مَذْهَبُ الْأَبِيقُورِيِّينَ الْقَائِلِينَ بَحُرِّيَّةِ الْإِرَادَةِ، وَمَذْهَبُ الرِّوَاقِيِّينَ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ مُسَيَّرٌ لَا مُخَيَّرٌ.

ثُمَّ مَذْهَبَانِ مُمَاثِلَانِ لِلْيَهُودِ فَمِنْهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ يَنْفُونَ الْقَدَرَ، وَالْقَرَّاءُونَ يَقُولُونَ بِالْجَبْرِ.

ثُمَّ مَذْهَبَانِ تَالِيَانِ مَسِيحِيَّانِ فَالْمَسِيحِيُّونَ الشَّرْقِيُّونَ يَقُولُونَ إِنَّ الْإِنْسَانَ مُخَيَّرٌ، وَالْآخَرُونَ يَقُولُونَ بِالْجَبْرِ.

لَقَدْ نَادَى جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَرَدَّدَتْ مَدْرَسَةُ الِاعْتِزَالِ مَا قَالَهُ جَهْمٌ، وَاسْتَعَانَتْ بِنُفُوذِ السُّلْطَةِ الْحَاكِمَةِ لِإِجْبَارِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا تَرْدِيدًا لِلْأَفْكَارِ الْيَهُودِيَّةِ الْمُنْحَرِفَةِ.

وَالْمُؤَرِّخُونَ يَرْوُونَ فِي صَدَدِ فِكْرَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ سِلْسِلَةً يَصِلُ سَنْدُهَا إِلَى لَبِيدِ بْنِ أَعْصَمَ الْيَهُودِيِّ الْقَائِلِ بِخَلْقِ التَّوْرَاةِ.

فَالْفِكْرَةُ يَهُودِيَّةُ الْأَصْلِ، وَمِمَّنْ رَوَّجَ لَهَا بِشْرٌ المَرِيسِيُّ، وَأَبُوهُ يَهُودِيٌّ صَبَّاغٌ بِالْكُوفَةِ.

وَلَمَّا عَرَفَ الرَّشِيدُ قَوْلَهُ حَلَفَ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَاخْتَفَى طُولَ عَهْدِهِ، لِيَظْهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَلَاطِ الْمَامُونِ.

مِنْ هُنَا نَرَى أَنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ وَالْجَدَلِ غَرِيبَانِ عَلَى الْبِيئَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَقَدْ وَفَدَ إِلَيْهَا مِنْ خَلْفِ السُّدُودِ وَالْحُدُودِ، وَكَانَ هَذَا بِدَايَةً لِلْغَزْوِ الْفِكْرِيِّ الْمُنَظَّمِ الَّذِي شَنَّتْ جُيُوشُهُ غَارَاتِهَا بِانْتِظَامٍ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَأَصَابَتْ مِنْهَا مَقَاتِلَ، وَلَكِنَّهَا لَمْ تُجْهِزْ عَلَيْهَا.

وَمِصْدَاقًا لِمَا نَقُولُ مَا يَرْوِيهِ الْمُؤَرِّخُونَ مِنْ أَنَّ كِتَابًا أَلَّفَهُ يَحْيَى الدِّمَشْقِيُّ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَ هُوَ وَتُيُودُورُ أَبُو قُرَّةَ يُنَاقِشَانِ الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّينِ - وَفِي هَذَا الْكِتَابِ يُدَرِّبُ النَّصَارَى عَلَى زَعْزَعَةِ عَقَائِدِ الْمُسْلِمِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت