وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ بَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَتَذَاكَرُ; يَنْزِعُ هَذَا بِآيَةٍ، وَيَنْزِعُ هَذَا بِآيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَأَنَّمَا يُفْقَأُ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ"يَا هَؤُلَاءِ أَبِهَذَا بُعِثْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُمِرْتُمْ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ."
صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَاذَا يَكُونُ بَعْدَ الْجِدَالِ وَالْمُشَاحَنَةِ وَمَاذَا تُنْتِجُ غَيْرَ الْكُفْرِ، وَالْحَرْبِ الَّتِي لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ فَهَلْ اسْتَمَعَ هَؤُلَاءِ إِلَى وَصِيَّةِ نَبِيِّهِمْ وَاسْتَجَابُوا لِمَا دَعَاهُمْ لَهُ.
لَقَدْ مَاتَ الرَّسُولُ، وَالْمُسْلِمُونَ أَمْرُهُمْ جَمِيعٌ، يَعْرِفُونَ دِينَهُمْ، وَيُنَفِّذُونَ تَعَالِيمَ رَبِّهِمْ، غَيْرَ هَنَاتٍ صَغِيرَةٍ، وَفِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- انْشَغَلَ الْمُسْلِمُونَ بِحُرُوبِ الرِّدَّةِ، وَجَاءَ عَهْدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ"صَبِيغٌ"، فَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ -وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ- فَقَالَ مَنْ أَنْتَ.
قَالَ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ فَأَخَذَ عُرْجُونًا مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ، فَضَرَبَهُ حَتَّى دَمِيَ رَاسُهُ، ثُمَّ عَادَ لَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرَأَ، فَدَعَا بِهِ لِيَعُودَ، فَقَالَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي فَاقْتُلْنِي قَتْلًا جَمِيلًا.
فَأَذِنَ لَهُ إِلَى أَرْضِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ لَا يُجَالِسَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَخْرَجَ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنْ لَا يُجَالِسُوا صَبِيغًا، وَلَا يُبَايِعُوهُ، وَإِنْ مَرِضَ فَلَا يَعُودُوهُ وَإِنْ مَاتَ فَلَا يَشْهَدُوهُ"."
وَأَخْرَجَ نَصْرٌ -أَيْضًا- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ الْقُرْآنِ أَمَخْلُوقٌ هُوَ أَوْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ"هَذِهِ كَلِمَةٌ وَسَيَكُونُ لَهَا ثَمَرَةٌ، وَلَوْ وُلِّيتُ مِنَ الْأَمْرِ مَا وُلِّيتُ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ".
أَتَكُونُ هَذِهِ الْوَسَاوِسُ وَالْخَطَرَاتُ الَّتِي كَانَتْ تَهْجِسُ فِي دَاخِلِ بَعْضِ النُّفُوسِ- لَهَا دَخْلٌ فِي إِنْشَاءِ عِلْمِ الْكَلَامِ?.
أَمْ أَنَّ وَرَاءَ إِنْشَائِهِ وَإِيجَادِهِ أَسْبَابًا أُخْرَى غَيْرَ الَّتِي ذَكَرْنَا دَفَعَتِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى طَرِيقِ الْجَدَلِ وَاصْطِنَاعِ عِلْمِ الْكَلَامِ؟.
وَقَبْلَ الْإِجَابَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ تَلِحُّ عَلَيْنَا أَسْئِلَةٌ أُخْرَى هَلْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ حِينَ قَامَ؟ وَهَلْ يَكُونُ الْمُسْلِمُونَ بِحَاجَةٍ إِلَيْهِ الْيَوْمَ؟ وَهَلْ يُعْطِينَا دَرْسُ نَشْأَتِهِ عِبْرَةَ اسْتِمْرَارِهِ.