فَإِذَا تَعَلَّقَ الْجِدَالُ بِأَمْرِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَبِذَاتِ اللَّهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- كَانَتْ مُجَادَلَتُهُمْ مُكَابَرَةً بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَدَعْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ.
قَالَ تَعَالَى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ.
وَسَاعَدَ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْجَدَلِ وَتَنَوُّعِهِ، مَا كَانَ يُجَاوِرُ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ مِنْ أَبْنَاءِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِمَّا كَانُوا يُشِيعُونَهُ عَنْ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ وَنَبِيِّهِ مِنْ الشُّكُوكِ وَالْمُفْتَرَيَاتِ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ أَمَرَ أَتْبَاعَهُ بِاسْتِعْمَالِ الرِّفْقِ مَعَهُمْ، وَمُجَادَلَتِهِمْ -إِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ- بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
قَالَ تَعَالَى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَمَعَ اسْتِمْرَارِ الْمُعَامَلَةِ الْحَسَنَةِ الَّتِي اتَّبَعَهَا الْمُسْلِمُونَ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمَعَ غَيْرِهِمْ، كَانَ الْيَهُودُ يَعْمَلُونَ لَيْلَ نَهَارٍ ضِدَّ الصَّفِّ الْإِسْلَامِيِّ، وَالدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَمُحَاوَلَةِ تَشْكِيكِ الْمُسْلِمِينَ فِي نَبِيِّهِمْ وَرِسَالَتِهِمْ، وَاتَّبَعُوا فِي سَبِيلِ الْوُصُولِ إِلَى أَهْدَافِهِمْ شَتَّى الْحِيَلِ وَالْأَسَالِيبِ.
حَكَى ابْنُ هِشَامٍ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِيَسْأَلُوهُ هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟.
وَأَخْرَجَ الهَرَوِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ الشَّيْطَانَ ظَهَرَ فِي صُورَةِ رَجُلٍ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَخَذَ يَسْأَلُ مَنْ خَلَقَ النَّاسَ؟ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟.""
وَيُؤَيِّدُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحَهِ فِي بَابِ الْإِيمَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: لَا يَزَالُ النَّاسُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنْ الْعِلْمِ حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ خَلَقَنَا فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ? قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ جَاءَنِي نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فَقَالُوا"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا اللَّهُ خَلَقَنَا فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ."
فَأَخَذَ حَصًى بِكَفِّهِ فَرَمَاهُمْ بِهِ، ثُمَّ قَالَ قُومُوا، صَدَقَ خَلِيلِي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-"."
وَيَرْوِي أَبُو سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.