فَإِنْ أَقْنَعْتُكَ بِأَنَّكَ لَا تَسْتَحِقُّ فَلَا حَقَّ لَكَ فِيهِ بِاعْتِرَافِكَ، وَسُكُوتُكَ حُجَّةٌ عَلَى هَذَا الِاعْتِرَافِ.
وَإِنْ لَمْ أُقْنِعْكَ فَلَا حَقَّ لَكَ فِيهِ، لِأَنَّكَ لَمْ تُعَلِّمْنِي كَيْفَ أُقِيمُ الْبُرْهَانَ عَلَى دَعْوَايَ.
وَكَانَ جَوَابُ الْأُسْتَاذِ كَمِثَالِ تِلْمِيذِهِ، مَثَلًا لِلْبُرْهَانِ الْمَطْلُوبِ فِي هَذِهِ الصِّنَاعَةِ فَقَالَ لَهُ إِنِّي أَقْبَلُ أَنْ أُنَاقِشَكَ، وَلَكِنْ عَلَى غَيْرِ النَّتِيجَةِ الَّتِي خَلَصْتَ إِلَيْهَا"أُنَاقِشُكَ فِي حَقِّي، فَتُعْطِيِهِ مَرَّةً إِذَا ثَبَتَ عَلَيْكَ، وَتُعْطِيهِ مَرَّتَيْنِ إِذَا لَمْ أُثْبِتْهُ أَمَامَكَ; لِأَنَّنِي عَلَّمْتُ تِلْمِيذًا مَا يَغْلِبُ بِهِ أُسْتَاذَهُ".
يَقُولُ الْأُسْتَاذُ الْعَقَّادُ"وَإِنْ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَدْ سَبَقُوا الْبِيزَنْطِيِّينَ إِلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْمُجَادَلَاتِ وَالشَّحْنَاءِ، وَجَاءَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَوَجَدَ فِيهِمْ طَائِفَةَ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِيسِيِّينَ لَا عَمَلَ لَهَا غَيْرَ اخْتِلَاقِ الْحِيَلِ وَالشِّرَاكِ لِاقْتِنَاصِ النَّاسِ بِمُغَالَطَاتِ الْأَلْفَاظِ وَأَلَاعِيبِ الْحَذْلَقَةِ وَالتَّمْوِيهِ".
وَفِي عَصْرِ الْيُونَانِ -وَعَنْ طَرِيقِ الْجَدَلِ- اخْتَلَفَ"انْكِسِيمَنْدَرُ"عَنْ"طَالِيسَ"وَاخْتَلَفَ"هَرْقَلِيطُ"عَنْهُمَا، وَلَمْ يَتَّفِقْ"سُقْرَاطُ"مَعَ"أَفْلَاطُونَ".
حَدَثَ هَذَا فِي دَوْلَةِ الْيُونَانِ، الدَّوْلَةِ الَّتِي صَنَعَتْ"الضَّوَابِطَ الْعَقْلِيَّةَ"، وَصَاحِبَةِ"الْمَنْطِقِ الصُّورِيِّ"وَقَوَاعِدِهِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ قَضَايَا وَقِيَاسٍ وَاسْتِقْرَاءٍ وَأَشْكَالٍ، الْمَنْطِقُ الَّذِي يَقُولُونَ عَنْهُ بِأَنَّهُ آلَةٌ تَعْصِمُ الذِّهْنَ عَنْ الْخَطَأِ"."
فَهَلْ عُصِمَ ذِهْنُهُمْ عَنْ الْخَطَأِ؟! وَهَلْ حَالَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَبْسَطِ قَوَاعِدِ الْمَعْرِفَةِ؟ اللَّهُمَّ لَا.
لِمَاذَا؟ لِأَنَّ الْعَقْلَ الْإِنْسَانِيَّ -مَهْمَا وَصَلَ إِلَى دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ مِنْ النُّضْجِ وَالسَّدَادِ- هُوَ فِي حَاجَةٍ إِلَى وَحْيٍ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَحْيٌ يَرْسِمُ لَهُ الطَّرِيقَ فَلَا يَضِلُّ، وَيُوَضِّحُ لَهُ الْمَزَالِقَ فَلَا يَنْحَرِفُ، وَيُحَدِّدُ لَهُ أَهْدَافَ حَيَاتِهِ، فَلَا تُلْقِي بِهِ الْأَهْوَاءُ يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً.
وَحَتَّى بَعْدَ أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ لَمْ يَتَوَقَّفْ الْجَدَلُ وَالْحِوَارُ، وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَتَعَرَّفَ عَلَى آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَجَدْنَاهَا تَرْصُدُ الْكَثِيرَ مِنْ جِدَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ.
وَيُقَرِّرُ الْقُرْآنُ أَنَّ جِدَالَهُمْ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى حَقٍّ، وَلَا يُنْبِئُ عَنْ صِدْقٍ، قَالَ تَعَالَى: وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا.