وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ الْقَارِئِ أَحَدَ هَذِهِ التَّعَارِيفِ، فَإِنَّنَا نَخْتَارُ التَّعْرِيفَ الَّذِي قَدَّمَهُ ابْنُ خُلْدُونٍ فِي مُقَدِّمَتِهِ; بِاعْتِبَارِهِ يُمَثِّلُ الْمَرْحَلَةَ الْأُولَى مِنْ نَشْأَةِ هَذَا الْعِلْمِ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ بِالْفَلْسَفَةِ، وَقَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْ رَايِ الْأَغْلَبِيَّةِ مِمَّنْ يَشْتَغِلُونَ بِهَذَا الْعِلْمِ.
يَقُولُ ابْنُ خُلْدُونٍ"وَهُوَ عِلْمٌ يَتَضَمَّنُ الْحِجَاجَ عَنْ الْعَقَائِدِ الْإِيمَانِيَّةِ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَالرَّدَّ عَلَى الْمُبْتَدَعَةِ الْمُنْحَرِفِينَ فِي الِاعْتِقَادَاتِ عَنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ".
وَالتَّعْرِيفُ الَّذِي قَدَّمَهُ ابْنُ خُلْدُونٍ يُعْطِينَا -عِنْدَ فَحْصِهِ وَتَأَمُّلِهِ- أَنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ عِلْمٌ يُدَافِعُ عَنْ الْعَقَائِدِ الْإِيمَانِيَّةِ.
وَأَسْلِحَتُهُ الدِّفَاعِيَّةُ هِيَ الْعَقْلُ وَمُعِدَّاتُهُ، وَهُوَ دَائِمًا يَظْهَرُ فِي وَجْهِ الْمُبْتَدِعَةِ الضَّالِّينَ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبِمَاذَا يُسَمَّى الْعِلْمُ الْآخَرُ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ خُصُومُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ; مِنَ الْجَهْمِيَّةِ، وَالْخَوَارِجِ، وَالْبَاطِنِيَّةِ، وَبَقِيَّةِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ الْخَارِجِيَّةِ عَنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ؟.
إِنَّ صَاحِبَ كِتَابِ"كَشَّافُ اصْطِلَاحَاتِ الْفُنُونِ"يَتَسَاءَلُ أَيْضًا فَيَقُولُ"هَلْ عِلْمُ الْكَلَامِ يَشْمَلُ الدِّفَاعَ عَنْ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَقَطْ؟ أَوْ يَشْمَلُ كُلَّ الْعَقَائِدِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُصُولِ الدِّينِ؟ سَوَاءٌ مِنْهَا الْمُوَافِقُ أَوْ الْمُخَالِفُ؟."
وَإِذَا كَانَ الْجَوَابُ بِالنَّفْيِ فَبِمَاذَا يُسَمَّى الْعِلْمُ الْآخَرُ، الْعِلْمُ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ الْخُصُومُ فِي الرَّدِّ وَالْمُقَارَعَةِ وَمُحَاوَلَةِ الْغَلَبَةِ؟ أَهُوَ عِلْمُ الْجَدَلِ؟ وَإِذَا كَانَ، أَنَرَى فَرْقًا بَيْنَ عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْجَدَلِ؟"."
يَرَى الْبَعْضُ أَنَّ كِلَيْهِمَا طَرِيقُهُ الْحِجَاجُ، وَغَايَتُهُ الِانْتِصَارُ عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ، بَيْنَمَا يَرَى فَرِيقٌ آخَرُ أَنَّ عِلْمَ الْكَلَامِ غَايَتُهُ تَايِيدُ الْعَقِيدَةِ الْإِيمَانِيَّةِ عَنْ طَرِيقِ النَّظَرِ الْمُسْتَقِيمِ وَالتَّمْيِيزِ الصَّحِيحِ.
أَمَّا الْجَدَلُ فَهُوَ بَحْثٌ عَنْ الْغَلَبَةِ وَالْإِلْزَامِ بِالْحُجَّةِ، قَدْ يَرْمِي إِلَى الْكَسْبِ وَالدِّفَاعِ عَنْ مَصْلَحَةٍ مَطْلُوبَةٍ، وَقَدْ يَتَحَرَّى مُجَرَّدَ الْمُسَابَقَةِ لِلْفَوْزِ عَلَى الْخَصْمِ وَإِفْحَامِهِ فِي مَجَالِ الْمُنَاقَضَةِ وَاللِّجَاجِ.
وَقَدْ ضُرِبَ الْمَثَلُ بِالْجَدَلِ"الْبِيزَنْطِيِّ"فِي طُولِ اللَّجَاجَةِ، وَسُوءِ الْعَاقِبَةِ، وَقِلَّةِ الْجَدْوَى.
وَمِمَّا يُحْكَى عَنْ أَسْتَاذٍ"بِيزَنْطِيٍّ"أَنَّهُ اتَّفَقَ مَعَ تِلْمِيذٍ لَهُ عَلَى أَنْ يُخْرِجَهُ لِلدِّفَاعِ فِي الْقَضَاءِ وَالْمُنَازَعَاتِ الْعَامَّةِ، خِلَالَ عَامَيْنِ بِأَجْرٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْتَهَى الْعَامَانِ طَلَبَ الْأُسْتَاذُ أَجْرَهُ، وَقَالَ التِّلْمِيذُ بَلْ أُنَاقِشُكَ فِي هَذَا الْأَجْرِ; هَلْ تَسْتَحِقُّهُ بِعَمَلِكَ، أَوْ تَطْلُبُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ؟.