وَقَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (سُورَةُ الرَّعْدِ، آية رقم 37) . .
فَالْقُرْآنُ عِلْمُ اللَّهِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي جَاءَهُ هُوَ الْقُرْآنُ، لِقَوْلِهِ: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ.
وَلَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِمَّنْ مَضَى مِنْ سَلَفِنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَهُوَ الَّذِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ.
لَسْتُ بِصَاحِبِ كَلَامٍ، وَلَا أَرَى الْكَلَامَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، أَوْ فِي حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْ عَنْ أَصْحَابِهِ، أَوْ عَنِ التَّابِعِينَ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِيهِ غَيْرُ مَحْمُودٍ.
وَقَدْ قَالَ الذَّهَبِيُّ: بَعْدَ نَقْلِ الرِّسَالَةِ قُلْتُ رُوَاةُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ عَنْ أَحْمَدَ أَئِمَّةٌ أَثْبَاتٌ؛ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّهُ أَمْلَاهَا عَلَى وَلَدِهِ، وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الرَّسَائِلِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ فَفِيهَا نَظَرٌ.
كِتَابُ"الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالزَّنَادِقَةِ"وَنِسْبَتُهُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ
شَكَّكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي نِسْبَةِ كِتَابِ"الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ"لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ مَا يَرْوِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ بِقَوْلِهِ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ يَقُولُ"قُلْتُ لِأَبِي لِمَ كَرِهْتَ وَضْعَ الْكُتُبِ وَقَدْ عَمِلْتَ الْمُسْنَدَ."
فَقَالَ عَمِلْتُ هَذَا الْكِتَابَ لِيَكُونَ إِمَامًا إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجَعُوا إِلَيْهِ"."
لِهَذَا يَقُولُونَ إِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لَمْ يَسْطُرْ غَيْرَ كِتَابِ الْمُسْنَدِ.
وَالْحَقِيقَةُ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ سَطَّرَ الْعَدِيدَ مِنَ الْكُتُبِ وَالْمُؤَلَّفَاتِ الَّتِي تَدَاوَلَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَتَقَبَّلُوهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ; لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ نِسْبَتُهَا إِلَيْهِ بِأَدِلَّةٍ قَاطِعَةٍ لَا تَقْبَلُ التَّشْكِيكَ أَوِ التَّاوِيلَ.
وَالْكِتَابُ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا يَرْتَبِطُ ارْتِبَاطًا كَبِيرًا بِالْمِحْنَةِ الَّتِي عَاشَهَا الْإِمَامُ وَعَاشَتْهَا الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مَعَهُ وَهُوَ كِتَابٌ يَرُدُّ فِيهِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَيُجَادِلُونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ، وَيُشَكِّكُونَ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ.