وَلَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الزَّوْجَةُ وَإِمَامُنَا فِي عُسْرٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَضِيقٍ بِالْحَيَاةِ، فَكَانَتْ لَهُ هَذِهِ الزَّوْجَةُ خَيْرَ مُعِينٍ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدَّمَتْ مَا تَمْلِكُ مِنْ مَتَاعٍ قَلِيلٍ بِنَفْسٍ رَاضِيَةٍ، وَوَقَفَتْ بِجِوَارِ زَوْجِهَا تُسَاعِدُهُ بِمَا تَغْزِلُ بِيَدَيْهَا، فَيَاخُذُهُ إِمَامُنَا وَيَبِيعُهُ فِي السُّوقِ، فَيُفَرِّجُ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَزَمَاتٍ، وَهَذِهِ الزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ لَهَا قُدْوَةٌ بِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- الَّتِي قَدَّمَتْ مَالَهَا وَتِجَارَتَهَا وَكُلَّ مَا تَمْلِكُ لِزَوْجِهَا مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَوَقَفَتْ بِجِوَارِهِ تَشُدُّ أَزْرَهُ، وَتُخَفِّفُ مَا بِهِ، وَتَصُدُّ عَنْهُ كَيْدَ الْكَائِدِينَ، وَدَسَّ الْمُغْرِضِينَ الْحَاقِدِينَ، وَهَذَا مَا فَعَلَتْهُ"حُسْنٌ"زَوْجُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ.
قَالَ الْخَلَّالُ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَحْرٍ، سَمِعْتُ حُسْنًا أُمَّ وَلَدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ تَقُولُ قُلْتُ لِمَوْلَايَ يَا مَوْلَايَ أَصْرِفُ فَرْدَ خَلْخَالِي?.
قَالَ وَتَطِيبُ نَفْسُكِ?.
قَالَتْ نَعَمْ.
قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَكِ لِهَذَا.
قَالَتْ فَأَعْطَيْتُهُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ صَالِحٍ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِيَةِ دَنَانِيرَ وَنِصْفٍ، وَفَرَّقَهَا وَقْتَ حَمْلِي، فَلَمَّا وَلَدَتْ حَسَنًا أَعْطَى مَوْلَاتِي كَرَّامَةَ دِرْهَمًا -وَهِيَ امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ كَانَتْ تَخْدِمُهُمْ- وَقَالَ لَهَا اذْهَبِي إِلَى ابْنِ شُجَاعٍ الْقَصَّابِ يَشْتَرِي لَكِ بِهَذَا رَاسًا.
فَاشْتَرَى لَنَا رَاسًا، وَجَاءَتْ بِهِ فَأَكَلْنَا، فَقَالَ لِي يَا حُسْنُ، مَا أَمْلِكُ غَيْرَ هَذَا الدِّرْهَمِ.
وَدَخَلَ يَوْمًا فَقَالَ لِي أُرِيدُ أَنْ أَحْتَجِمَ الْيَوْمَ وَلَيْسَ مَعِي شَيْءٌ، فَجِئْتُ بِجَرَّةٍ لِي فِيهَا غَزْلٌ، فَبِعْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَيْتُ لَحْمًا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ، وَأَعْطَيْتُ الْحَجَّامَ دِرْهَمًا، وَاشْتَرَيْتُ طِيبًا بِدِرْهَمٍ.
وَلَمَّا خَرَجَ إِلَيَّ"سُرَّ مَنْ رَأَى"كُنْتُ قَدْ غَزَلْتُ غَزْلًا لَيِّنًا، وَعَمِلْتُ ثَوْبًا حَسَنًا، فَلَمَّا قَدِمَ أَخْرَجْتُهُ إِلَيْهِ، قَالَ مَا أُرِيدُهُ فَدَفَعْتُهُ إِلَى فَوْرَانَ، فَبَاعَهُ بِاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ قُطْنًا فَغَزَلْتُهُ ثَوْبًا كَبِيرًا، فَلَمَّا أَعْلَمْتُهُ قَالَ"لَا تَقْطَعِيهِ، دَعِيهِ، فَكَانَ كَفَنَهُ كُفِّنَ فِيهِ، وَأَخْرَجْتُ الْغَلِيظَ فَقَطَعَهُ".
إِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ الطَّيِّبَةَ أَعَادَتْ لَنَا ذِكْرَ الصَّالِحَاتِ الْقَانِتَاتِ الْعَابِدَاتِ مِنْ زَوْجَاتِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَزَوْجَاتِ أَصْحَابِهِ -رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ-.