حَتَّى صِلَةُ الْإِخْوَانِ يَعِفُّ عَنْهَا، وَيَرْفُضُ أَنْ يَقْبَلَهَا مَهْمَا كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهَا، وَقَدْ مَرَّتْ بِهِ ظُرُوفٌ صَعْبَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ تَمَسَّكَ بِمَبْدَئِهِ، وَرَفَضَ مَدَّ يَدِهِ لِيَاخُذَ شَيْئًا مِنْهَا.
خَرَجَ إِلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هَمَّامٍ بِالْيَمَنِ، فَكَرَى نَفْسَهُ مَعَ الْحَمَّالِينَ، وَلَمْ يَقْبَلْ صِلَاتِ الْإِخْوَانِ وَلَا قُرُوضَهُمْ، وَفِيهِمْ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَآثَرَ أَنْ يَنْسِجَ التِّكَكَ لِلسَّرَاوِيلِ، وَيَبِيعَ وَيَتَقَوَّتَ.
وَقِيلَ إِنَّهُ أَقَامَ سَنَتَيْنِ، وَرَهَنَ نَعْلًا لَهُ عِنْدَ خَبَّازٍ بِصَنْعَاءَ.
وَلَمَّا سُرِقَتْ ثِيَابُهُ بِمَكَّةَ كَانَتْ مَعَهَا أَلْوَاحٌ مَكْتُوبَةٌ، فَسَأَلَ صَاحِبَةَ الدَّارِ عَنْهَا، فَقَالَتْ هِيَ فِي الطَّاقِ.
فَلَمْ يَجْزَعْ مَا دَامَتْ سَلَّمَتِ الْأَلْوَاحَ لَهُ، وَلَزِمَ دَارَهُ، فَافْتَقَدَهُ صَحْبُهُ، فَجَاءُوهُ وَعَلَيْهِ خَلِقَانِ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَخْرُجُ لِلنَّاسِ، فَغَلَقَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَابَ، وَاجْتَمَعَ الْأَصْحَابُ، فَجَهِدُوا جَهْدَهُمْ لِيُقْنِعُوهُ أَنْ يُقْرِضُوهُ لِيَشْتَرِيَ ثَوْبًا فَأَبَى، فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ تَعَاقَدُوا مَعَهُ عَلَى عَمَلٍ أَنْ يَنْسَخَ لَهُمْ مُؤَلَّفًا، وَآتَوْهُ أَجْرَهُ دِينَارًا اشْتَرَوْا بِهِ ثَوْبًا لَهُ، وَبَقِيَ الْكِتَابُ فِي خِزَانَةِ صَاحِبِهِ يُفَاخِرُ بِهِ أَجْيَالَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا بَعْدُ، يَقُولُ"كِتَابٌ نَسَخَهُ بِيَدِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ".
وَهُوَ فِي هَذَا الْعَمَلِ مُتَّبِعٌ لِسُنَّةِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَدَعْوَتِهِ إِلَى الْعَمَلِ، وَقَوْلِهِ فِي الْيَدِ الَّتِي تَوَرَّمَتْ مِنْ كَثْرَةِ الْعَمَلِ هَذِهِ يَدٌ يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَمُنَفِّذٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ.
قِيلَ لِأَحْمَدَ بِمَا تَلِينُ الْقُلُوبُ?.
قَالَ بِأَكْلِ الْحَلَالِ.
فَمَضَى السَّائِلُ إِلَى بِشْرٍ، فَسَأَلَهُ فَأَجَابَ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
قَالَ السَّائِلُ إِنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ -أَحْمَدَ- فَقَالَ بِأَكْلِ الْحَلَالِ.
قَالَ بِشْرٌ جَاءَكَ بِالْأَصْلِ.
فَمَرَّ السَّائِلُ إِلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقِ يَسْأَلُهُ، فَأَجَابَهُ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
قَالَ الرَّجُلُ فَإِنِّي جِئْتُ مِنْ عِنْدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَا عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَسَأَلَهُ مَاذَا قَالَ؟ قَالَ أَجَابَنِي بِأَكْلِ الْحَلَالِ.