وَأَمَّا"أَبُو الْعُرُوقِ"الْجَلَّادُ الَّذِي جَلَدَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، فَمَكَثَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَنْبَحُ نُبَاحَ الْكِلَابِ.
وَيُصَابُ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ بِالْفَالِجِ، وَيُعْزَلُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ الْقَضَاءِ، وَيَمُوتُ الِابْنُ فِي حَيَاةِ الْأَبِ، ثُمَّ يَمُوتُ الْأَبُ فِي أَسْوَأِ حَالٍ.
أَمَّا الْجَاحِظُ -رَفِيقُ الْمَامُونِ- الَّذِي مَاتَ"بالبدندون"، فَقَدْ بَقِيَ سِنِينَ تَتَوَاتَرُ عَلَيْهِ الْعِبَرُ; لِيَرَى النَّاسُ رَايَ الْعَيْنِ الْكَاتِبَ الَّذِي هَزَأَ بِالْكَثِيرِينَ وَهُوَ يَسْتَدِرُّ الْعَطْفَ، وَيَشْكُو إِلَى الْخَلْقِ حَيْثُ لَا تَنْفَعُ الشَّكْوَى.
يَقُولُ الْمُبَرِّدُ دَخَلْتُ عَلَى الْجَاحِظِ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ وَهُوَ عَلِيلٌ، فَقُلْتُ كَيْفَ أَنْتَ?.
فَقَالَ كَيْفَ يَكُونُ مَنْ نِصْفُهُ مَفْلُوجٌ، وَلَوْ نُشِرَ بِالْمَنَاشِيرِ لَمَا أَحَسَّ بِهِ، وَنِصْفُهُ مُنِقْرِسٌ لَوْ طَارَ الذُّبَابُ بِقُرْبِهِ لَآلَمَهُ.
لَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَعَادَتْ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى وَحْدَةِ الْكَلِمَةِ، وَإِلَى نُورِ اللَّهِ
صُوَرٌ مِنْ أَخْلَاقِهِ
الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَعْقِدُ الرَّجَاءِ لِلْأُمَّةِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عِلْمًا أَكْثَرُهُمْ خَشْيَةً لِلَّهِ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.
وَيَقُولُ مَسْرُوقٌ"بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَبِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الْجَهْلِ أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ".
وَسُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ مَنِ النَّاسُ؟ وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ فَقِيلَ لَهُ وَمَنِ الْمُلُوكُ؟ وَأَجَابَ الزُّهَّادُ فَقِيلَ لَهُ مَنِ السَّفَلَةُ؟ فَأَجَابَ مَنْ يَاكُلُ بِدِينِهِ.
وَلَمَّا سُئِلَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ مَنِ الْغَوْغَاءُ؟ قَالَ مَنْ يَطْلُبُونَ بِعِلْمِهِمْ الدُّنْيَا"."
وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ كَانَ يَخْشَى اللَّهَ وَيَخَافُهُ، وَيَعْمَلُ فِي مَرْضَاتِهِ، وَيَعِفُّ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ.
قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ دَفَعَ إِلَيَّ الْمَامُونُ أَمْوَالًا أُقَسِّمُهَا عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَفِيهِمْ ضُعَفَاءُ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَخَذَ، إِلَّا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فَإِنَّهُ أَبَى.
وَقَالَ لَهُ ابْنُهُ صَالِحٌ يَا أَبَتِ، إِنَّ أَحْمَدَ الدَّوْرَقِيَّ أَخَذَ أَلْفَ دِينَارٍ.
فَقَالَ يَا بُنَيَّ، وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى.