الصفحة 26 من 339

يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ"كُنْتُ رُبَّمَا أَرَدْتُ الْبُكُورَ، فَتَاخُذُ أُمِّي بِثِيَابِي وَتَقُولُ حَتَّى يُؤَذِّنَ النَّاسُ أَوْ حَتَّى يُصْبِحُوا". .

وَفِي هَذِهِ الْمَجَالِسِ كَانَ مُتَمَيِّزًا بِأَفْعَالِهِ وَصِفَاتِهِ، مُنْفَرِدًا بِأَخْلَاقِهِ وَسُلُوكِهِ، بَهَرَ لُدَّاتِهِ بِقُوَّةِ ذَاكِرَتِهِ، وَأَعْجَبَ الْآخَرِينَ بِسَمْتِهِ وَحُسْنِ إِصْغَائِهِ.

رَوَى المُزَنِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: ثَلَاثَةٌ مِنْ عَجَائِبِ الزَّمَانِ عَرَبِيٌّ لَا يُعْرِبُ كَلِمَةً، وَهُوَ أَبُو ثَوْرٍ.

وَأَعْجَمِيٌّ لَا يُخْطِئُ فِي كَلِمَةٍ، وَهُوَ الْحَسَنُ الزَّعْفَرَانِيُّ.

وَصَغِيرٌ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا صَدَّقَهُ الْكِبَارُ، وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.

وَفِي حَلَقَةِ الْإِمَامِ أَبِي يُوسُفَ تَعَرَّفَ عَلَى آرَاءِ مَدْرَسَةِ الرَّايِ فِي الْفِقْهِ، وَاكْتَسَبَ مِنْ صِفَاتِ صَاحِبِهَا مَعْرِفَةَ وَضْعِ الْعَدْلِ فِي مَوْضِعِهِ; حَتَّى لَا يَمِيلَ عَنْ الْحَقِّ قِيدَ شَعَرَةٍ، وَالتَّأَنِّي فِي الْحُكْمِ; حَتَّى لَا يَصْدُرَ عَنْ رَايٍ عَجِلٍ، أَوْ فَلْتَةٍ طَارِئَةٍ، وَالِالْتِزَامَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي كُلِّ مَا يَاتِي وَمَا يَدَعُ، وَلَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَبُو يُوسُفَ كَذَلِكَ.

يَقُولُ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ صَاحِبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ"أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُ حَدِيثٍ، وَصَاحِبُ فِقْهٍ".

وَيَقُولُ"لَيْسَ فِي أَصْحَابِ الرَّايِ أَكْثَرُ حَدِيثًا وَلَا أَثْبَتُ مِنْ أَبِي يُوسُفَ"، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي هَذِهِ الْحَلَقَةِ -حَلَقَةِ أَبِي يُوسُفَ- كَانَ يُعَدُّ مِنْ قِبَلِ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ إِعْدَادًا كَامِلًا لِيَفْصِلَ فِي الْقَضِيَّةِ الْكُبْرَى الَّتِي سَتَتَعَرَّضُ لَهَا الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ قَضِيَّةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ.

أَمَّا وَالِدُهُ، فَكَانَ أَحَدَ قُوَّادِ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَقُوَّادُ الْمُسْلِمِينَ دَائِمًا كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ أَنْصَافَ الْحُلُولِ، إِمَّا النَّصْرُ وَإِمَّا الشَّهَادَةُ، وَمَعَ أَنَّ الْقَائِدَ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى ابْنَهُ.

لَكِنَّ الِابْنَ وَرِثَ عَنْ أَبِيهِ صِفَةَ الْقَائِدِ، وَلَقَدْ قَادَ الْأُمَّةَ الْإِسْلَامِيَّةَ فِي فَتْرَةٍ مِنْ أَحْلَكِ فَتَرَاتِهَا إِلَى طَرِيقِ الْفَلَاحِ، وَجَنَّبَهَا الْمَزَالِقَ وَالْأَخْطَارَ.

قَادَهَا بِصَلَابَةِ الرَّايِ، وَقُوَّةِ الْحُجَّةِ، وَبِالدَّعْوَةِ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ، قَادَهَا إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ، وَأَبْعَدَهَا عَنْ ضَلَالِ الْهَوَى، وَكَشَفَ لَهَا زَيْفَ الْبَاطِلِ، فَلَمْ تَنْخَدِعْ بِأَسَالِيبِهِ، وَدَعَاهَا لِلْوُقُوفِ أَمَامَ بَطْشِ السُّلْطَانِ وَقُوَّتِهِ الْمُسَلَّطَةِ، فَلَمْ تُرْهِبْهَا السُّيُوفُ الْمُشْرَعَةُ، وَلَا الرُّءُوسُ الطَّائِرَةُ مِنْ فَوْقِ أَعْنَاقِ أَصْحَابِهَا، حَتَّى وَصَلَ بِالْأُمَّةِ إِلَى مَرْفَأِ الْأَمَانِ، وَحَطَّتْ رَحْلَهَا عَلَى شَاطِئِ الِاتِّبَاعِ، اتِّبَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

أَمَّا أَعْدَاءُ الْأُمَّةِ فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ عِقَابَهُ، وَيُحَدِّثُنَا التَّارِيخُ أَنَّ أَحَدَهُمْ أُحْرِقَ بِالنَّارِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتُ، وَثَانِيَهمْ -وَهُوَ"هرثمة"- قَطَّعَهُ الْعَامَّةُ إِرَبًا إِرَبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت