وَمَاتَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ 241هـ، وَخِلَالَ هَذِهِ الْفَتْرَةِ الْقَصِيرَةِ مِنْ عُمْرِ الزَّمَنِ نَقْتَطِفُ لَمَحَاتٍ مِنْ حَيَاتِهِ، وَصُوَرًا مِنْ أَخْلَاقِهِ، وَظِلَالًا لِنَدُلَّ عَلَيْهِ.
وَمِنْ هَذِهِ الظِّلَالِ مَا يُحَدِّثُنَا بِهِ عَبَّاسٌ النَّحْوِيُّ، وَهُوَ يَصِفُ إِمَامَ السُّنَّةِ، فَيَقُولُ رَأَيْتُهُ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا حَسَنَ الْوَجْهِ، رَبْعَةً يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ، لَيْسَ بِالْقَانِي، وَفِي لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٌ سُودٌ يَلْبَسُ الثِّيَابَ الْبِيضَ، وَمُعْتَمًّا وَعَلَيْهِ إِزَارٌ.
أَمَا المَرْوَزِيُّ فَيَزِيدُنَا تَعْرِيفًا بِهِ فَيَقُولُ لَمْ أَرَ الْفَقِيرَ فِي مَجْلِسٍ أَعَزَّ مِنْهُ فِي مَجْلِسِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، كَانَ مَائِلًا إِلَيْهِمْ، مُقَصِّرًا عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَكَانَ فِيهِ حِلْمٌ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْعَجُولِ، وَكَانَ كَثِيرَ التَّوَاضُعِ، تَعْلُوهُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، إِذَا جَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِلْفُتْيَا لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يُسْأَلَ، وَإِذَا خَرَجَ إِلَى مَسْجِدِهِ لَمْ يَتَصَدَّرْ، يَقْعُدُ حَيْثُ انْتَهَى لَهُ الْمَجْلِسُ.
وَهُوَ فِي هَذَا مُتَأَدِّبٌ بِأَدَبِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمُتَخَلِّقٌ بِأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ.
فَمِنْ قَبْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُلْقِي عَلَى سَمْعِ الْبَشَرِيَّةِ كَافَّةً مَا أَوْحَى إِلَيْهِ رَبُّهُ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ.
وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ الْفُقَرَاءُ الْجِيَاعُ، أَصْحَابُ الذِّكْرِ بِالطِّيبِ وَالسِّيرَةِ الْحَسَنَةِ، الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِدَاعِي اللَّهِ، فَيَفْرِشُ لَهُمْ رِدَاءَهُ، وَيَقُولُ أَهْلًا بِمَنْ أَوْصَانِي بِهِمْ رَبِّي خَيْرًا.
وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ مُتَّبِعٌ لَا مُبْتَدِعٌ، مُعْرِضٌ عَنْ الْقُبْحِ وَاللَّغْوِ، لَا يُسْمَعُ مِنْهُ إِلَّا الْمُذَاكَرَةُ بِالْحَدِيثِ وَذِكْرُ الصَّالِحِينَ، وَكَانَ أَنْقَى النَّاسِ ثَوْبًا، وَأَشَدَّهُمْ بَيَاضًا.
أَمَّا اللَّمَحَاتُ الَّتِي نَقْتَبِسُهَا مِنْ حَيَاتِهِ فَنَقُولُ:
نَشَأَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَمَا يَنْشَأُ عُظَمَاءُ الرِّجَالِ وَأَفْذَاذُ الْعُلَمَاءِ، يَتِيمًا لَمْ يَعْرِفْ -كَأَتْرَابِهِ- الطَّرِيقَ إِلَى صَدْرِ الْوَالِدِ الشَّفُوقِ، وَلَمْ تَتَعَوَّدْ أُذُنَاهُ عَلَى سَمَاعِ كَلِمَاتِ الْمُدَاعَبَةِ وَالْمُنَاغَاةِ مِنْ وَالِدٍ حَنُونٍ.
وَلَكِنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- حَاطَهُ بِعِنَايَتِهِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، وَعَوَّضَهُ مِنْ حَنَانِ الْأُمِّ مَا فَقَدَهُ مِنْ رِعَايَةِ الْأَبِ.
وَلَمْ تَدَّخِرِ الْأُمُّ جُهْدًا فِي الْعِنَايَةِ بِفَتَاهَا، فَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا لَهَا، وَهِيَ أَهَمُّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا لَهُ.
وَمَا كَادَ يَشُبُّ عَنِ الطَّوْقِ، حَتَّى عَرَفَ الطَّرِيقَ إِلَى أَمَاكِنِ الْعِلْمِ وَحَلَقَاتِ الدَّرْسِ، وَكَانَ يَذْهَبُ عَلَيْهَا مُبَكِّرًا، وَيَتَرَقَّبُهَا مَشُوقًا.