أَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فَيَرَى أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ وَالْمُعْتَزِلَةَ -الَّذِين يَقُولُونَ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ- هُمْ الزَّنَادِقَةُ.
وَيُقَرِّرُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، وَالَّذِي أَخَذَ الْكَثِيرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِهِ"خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ"، أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ هُمْ الزَّنَادِقَةُ.
قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ الزِّمِّيُّ، قَالَ"كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، مَا تَقُولُ فِي قَوْمٍ يَقُولُونَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ."
فَقَالَ أَمِنَ الْيَهُودِ؟ قَالَ لَا.
قَالَ فَمِنَ النَّصَارَى؟ قَالَ لَا.
قَالَ فَمِنَ الْمَجُوسِ؟ قَالَ لَا.
قَالَ فَمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ قَالَ لَيْسَ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةُ.
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ"الْجَهْمِيَّةُ الزَّنَادِقَةُ"، إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، وَحَلَفَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ بِالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَهُوَ زِنْدِيقٌ.
ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ"الزَّنْدَقَةُ"فِي الْإِلْحَادِ عُمُومًا، قَالَ أَبُو يُوسُفَ ثَلَاثَةٌ لَا يَسْلَمُونَ مِنْ ثَلَاثَةٍ مَنْ طَلَبَ النُّجُومَ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ الزَّنْدَقَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْكِيمْيَاءَ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الْفَقْرِ، وَمَنْ طَلَبَ غَرَائِبَ الْحَدِيثِ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الْكَذِبِ.
وَيَرَى الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ"الْمُنْقِذُ مِنْ الضَّلَالِ""إِنَّ مِنْ الزَّنْدَقَةِ إِنْكَارَ وُجُودِ اللَّهِ، وَالْقَوْلَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَإِنْكَارَ الْحَيَاةِ الْأُخْرَى وَمَا فِيهَا، وَإِنْكَارَ النُّبُوَّاتِ".
وَلَا شَكَّ أَنَّ كَلِمَةَ"زَنْدَقَةٍ"-إِذَا تَتَبَّعْنَا اسْتِعْمَالَهَا- تَدُلُّ عَلَى كُلِّ إِنْكَارٍ لِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ، أَوْ عَلَى أَيِّ رَايٍ يُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ، أَوْ عَلَى كُلِّ بِدْعَةٍ فِي تَفْسِيرِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَلَقَدْ تُوُسِّعَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قِيلَ فِي عَصْرِ الْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ وَالْإِمَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ"مَنْ تَمَنْطَقَ فَقَدْ تَزَنْدَقَ"يَنْهَوْنَ بِذَلِكَ عَنْ دِرَاسَةِ الْمَنْطِقِ الْأَرِسْطِيِّ
إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ
لَمَحَاتٌ مِنْ حَيَاةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ
وُلِدَ أَحْمَدُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ 164هـ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُهُ صَالِحٌ، وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ.