التَّنْزِيلِ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ الْعَرَبُ أَخَذَتْ هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْفُرْسِ وَقَالُوا زِنْدِيقٌ، وَالثَّنَوِيَّةُ هُمُ الزَّنَادِقَةُ وَلَحِقَ بِهَؤُلَاءِ سَائِرُ مَنِ اعْتَقَدَ الْقِدَمَ وَأَبَى الْحُدُوثَ.
فَإِذَا انْتَقَلْنَا إِلَى بَاحِثٍ آخَرَ مِثْلَ الْخُوَارِزْمِيِّ نَرَاهُ يَقُولُ إِنَّ كَلِمَةَ زِنْدِيقٍ تَعْرِيبٌ لِلْكَلِمَةِ الْفَارِسِيَّةِ الَّتِي كَانَ يُنْسَبُ بِهَا إِلَى كَلِمَةِ"زِنْدٍ"، وَهِيَ اسْمُ كِتَابِ"مَزْدَكَ"فِي تَاوِيلِ كِتَابِ"الافستا"لِزَرَادِشْت.
وَإِذَا كَانَ الْمَسْعُودِيُّ يَرَى أَنَّ الْكِتَابَ الْمُسَمَّى"بالبستاه"الَّذِي وَضَعَهُ"زَرَادِشْت"هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي وَضَعَ شَرْحَهُ الْمُسَمَّى"بِالزِّنْدِ"، فَإِنَّ الْخُوَارِزْمِيَّ يَخْتَلِفُ مَعَهُ، وَيَرَى أَنَّ الَّذِي وَضَعَ الشَّرْحَ لِكِتَابِ"البستاه"هُوَ مَزْدَك، وَلَيْسَ زَرَادِشْت.
وَنَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا أَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ، لِمَا يُتَّبَعُ عَادَةً أَنَّ أَصْحَابَ الْمَذَاهِبِ يَضَعُونَ الْأُصُولَ الْأَسَاسِيَّةَ لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُومُ الْأَتْبَاعُ بِالشَّرْحِ وَالتَّفْسِيرِ.
وَيَتَّفِقُ صَاحِبُ"الْكَشَّافِ"فِيمَا يَقُولُهُ الْمَسْعُودِيُّ عِنْدَمَا يَقُولُ إِنَّ تَعْرِيبَ كَلِمَةِ"زِنْدِيٍّ"; أَيْ الْمُعْتَقِدُ"بِالزِّنْدِ"، وَهُوَ كِتَابُ"زَرَادِشْت."
فَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَتَعَرَّفَ عَلَى الزَّنَادِقَةِ، فَإِنَّ الْخَيَّاطَ الْمُعْتَزِلِيَّ فِي كِتَابِهِ"الِانْتِصَارِ"يَسْتَعْمِلُهَا لِلدِّلَالَةِ عَلَى فِرْقَةٍ خَاصَّةٍ قَرِينَةٍ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَيَقُولُ قَالَ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ، وَزَعَمَ ثُمَامَةُ أَنَّ أَكْثَرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالزَّنَادِقَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ يَصِيرُونَ فِي الْقِيَامَةِ تُرَابًا، وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ.
بَيْنَمَا يَرَى صَاحِبُ"الْفِهْرِسْتِ"أَنَّ الزَّنَادِقَةَ كَلِمَةٌ تُطْلَقُ عَلَى أَصْحَابِ"مَانِي"وَمُعْتَنِقِي مَذْهَبِهِ، وَلَيْسَتْ كَلِمَةً عَامَّةً تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ كَافِرٍ.
وَيَرَى ابْنُ خُشَيْشٍ الْحَنْبَلِيُّ، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ هـ، أَنَّ الزَّنَادِقَةَ خَمْسُ فِرَقٍ.
1 -الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْخَلْقَ وَالْخَالِقَ، وَذَلِكَ بِرَدِّهِمْ الْعَالَمَ إِلَى خَلِيطٍ غَيْرِ ثَابِتٍ.
2 -الْمَانَوِيَّةُ أَصْحَابُ"مَانِي".
3 -الْمَزْدَكِيَّةُ، وَهُمْ الثَّنَوِيَّةُ أَصْحَابُ"مَزْدَكَ".
4 -وَالْعَبْدَكِيَّةُ وَهُمْ زُهَّادٌ لَا يَاكُلُونَ الْحَيَوَانَ.
5 -الْمُعَطِّلَةُ وَهُمْ يُنْكِرُونَ الْخَالِقَ الْمُدَبِّرَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ النَّاسَ بِمَنْزِلَةِ النَّبَاتِ.