الصفحة 22 من 339

وَيَمِيلُ الْأُسْتَاذُ أَحْمَد أَمِين إِلَى الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ قَوْمًا مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ أَطْلَقُوهُ عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي جَعَلَهُ يُقَرِّرُ ذَلِكَ مَا قَرَأَهُ فِي كِتَابِ"الْخُطَطِ"مِنْ أَنَّ بَيْنَ الْفِرَقِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي ظَهَرَتْ بَعْدَ الْعَوْدَةِ مِنْ السَّبْيِ فِرْقَةٌ يُقَالُ لَهَا"الفروشيم"، وَمَعْنَاهَا الْمُعْتَزِلَةُ.

فَيَقُولُ أَحْمَد أَمِين"إِنَّ الْمَعَاجِمَ اللُّغَوِيَّةَ الْحَدِيثَةَ تُثْبِتُ أَنَّ مَعْنَى"فروشيم"هُوَ Separated، وَهَذَا الْمَعْنَى يَنْطَبِقُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي تُؤَدِّيهِ كَلِمَةُ مُعْتَزِلَةٍ، وَقَدْ كَانَ الفروشيم يَتَكَلَّمُونَ فِي الْقَدَرِ كَالْمُعْتَزِلَةِ، وَيَقُولُونَ لَيْسَ كُلُّ الْأَفْعَالِ خَالِقُهَا اللَّهُ -تَعَالَى- فَلَا يَبْعُدُ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ- أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا قَدْ أَطْلَقُوا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ هَذَا اللَّفْظَ لِمَا رَأَوْهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الفروشيم مِنْ شَبَهٍ فِي الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ".

وَإِذَا كَانَتْ الْمُعْتَزِلَةُ تُعْتَبَرُ امْتِدَادًا لِآرَاءِ الْجَهْمِيَّةِ، وَتَتَّفِقُ مَعَهَا فِي كَثِيرٍ مِمَّا نَادَتْ بِهِ، فَمَنْ هُمْ الزَّنَادِقَةُ الَّذِينَ عَنَاهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ

حَقِيقَةُ الزَّنَادِقَةِ

سُؤَالٌ نَطْرَحُهُ بَيْنَ يَدَيِ الْقَارِئِ لِيَكُونَ مَدْخَلًا لَنَا فِي التَّعْرِيفِ بِالزَّنْدَقَةِ وَالزَّنَادِقَةِ.

فَنَقُولُ مَتَى ظَهَرَتْ كَلِمَةُ زَنْدَقَةٍ وَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ وَمَا الْمَقْصُودُ بِهَا عِنْدَ إِمَامِنَا أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؟.

تَتَّفِقُ كَثِيرٌ مِنْ مَعَاجِمِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْمُفْرَدَ"زِنْدِيقٌ"، وَالْجَمْعَ"زَنَادِقَةٌ"، وَالْمَصْدَرَ"زَنْدَقَةٌ".

وَيُحَدِّدُ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ ظُهُورَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ بِعَهْدِ"بَهْرَامَ بْنِ هُرْمُزَ"عِنْدَمَا أَتَاهُ"مَانِي"صَاحِبُ مَذْهَبِ الْمَانَوِيَّةِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَذْهَبَهُ الْقَائِلَ بِأَنَّ الْعَالَمَ نَشَأَ مَنْ أَصْلَيْنِ وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، وَعَنْ النُّورِ نَشَأَ كُلُّ خَيْرٍ، وَعَنْ الظُّلْمَةِ نَشَأَ كُلُّ شَرٍّ، وَالنُّورُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الشَّرِّ، وَالظُّلْمَةُ لَا تَقْدِرُ عَلَى الْخَيْرِ، وَهُوَ فِي هَذَا يَتَّفِقُ مَعَ مَذْهَبِ"زَرَادِشْت"، إِلَّا أَنَّ"مَانِيَ"زَادَ عَلَيْهِ الدَّعْوَةَ إِلَى الرَّهْبَنَةِ وَالزُّهْدِ.

فَمَا كَانَ مِنْ بَهْرَامٍ إِلَّا أَنْ أَجَابَهُ احْتِيَالًا مِنْهُ عَلَيْهِ، إِلَى أَنْ أَحْضَرَ دُعَاتَهُ الْمُتَفَرِّقِينَ فِي الْبِلَادِ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى مَذَاهِبِ"الثَّنَويَّةِ"، فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ الرُّؤَسَاءَ مِنْ أَصْحَابِهِ. .

يَقُولُ صَاحِبُ"مُرُوجِ الذَّهَبِ"وَفِي أَيَّامِ"مَانِي"هَذَا ظَهَرَ اسْمُ الزَّنْدَقَةِ الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ الزَّنَادِقَةُ.

وَذَلِكَ أَنَّ الْفُرْسَ أَتَاهُمْ"زَرَادِشْتُ"بِكِتَابٍ يُسَمَّى"البستاه"، وَعَمِلَ لَهُ التَّفْسِيرَ وَهُوَ"الزِّنْدُ"، وَعَمِلَ لِهَذَا التَّفْسِيرِ شَرْحًا سَمَّاهُ"البازند"، وَكُلُّ مَنْ أَوْرَدَ فِي شَرِيعَتِهِمْ شَيْئًا يُخَالِفُ الْمُنَزَّلَ الَّذِي هُوَ"البستاه"، وَعَدَلَ إِلَى التَّاوِيلِ الَّذِي هُوَ"الزِّنْدُ"قَالُوا زِنْدِيٌّ، فَأَضَافُوهُ إِلَى التَّاوِيلِ، وَأَنَّهُ مُنْحَرِفٌ عَنْ الظَّاهِرِ مِنَ الْمُنَزَّلِ إِلَى تَاوِيلٍ هُوَ بِخِلَافِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت