وَهَذَا قَوْلُ جَهْمٍ إِنْ هَذَا إِلَّا مَخْلُوقٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ.
إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.
إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ.
مَعْنَاهُمْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَمَعْنَى جَهْمٍ فِي قَوْلِهِ يَرْجِعَانِ إِلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فِيهِ مِنَ الْبَدَنِ كَغَرْزِ إِبْرَةٍ، وَلَا كَقَيْسِ شَعَرَةٍ.
فَبِهَذَا نُكَفِّرُهُمْ كَمَا أَكْفَرَ اللَّهُ بِهِ أَئِمَّتَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ فِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أُتِيَ بِقَوْمٍ مِنْ الزَّنَادِقَةِ فَحَرَّقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فَقَالَ أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَقَتَلْتُهُمْ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وَلَمَا حَرَقْتُهُمْ; لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ فَبَلَغَ عَلِيًّا مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَقَالَ وَيْحَ ابْنَ أُمِّ الْفَضْلِ; إِنَّهُ لَغَوَّاصٌ عَلَى الْهَنَاتِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَرَأَيْنَا هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْكُفْرَ، وَأَقْبَحُ تَاوِيلًا لِكِتَابِ اللَّهِ وَرَدِّ صِفَاتِهِ مِنْ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَحَرَّقَهُمْ.
وَقَدْ نَهَضَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِمُقَاوَمَةِ هَذِهِ الْحَرَكَةِ، وَنَشَطُوا لِلرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ نَشَاطًا عَظِيمًا.
وَيَذْكُرُ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي"الْحَمَوِيَّةِ الْكُبْرَى"الْعَدِيدَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ وَكُتُبَهُمْ الَّتِي فَنَّدُوا فِيهَا آرَاءَ الْجَهْمِيَّةِ، وَوَضَّحُوا فَسَادَهَا وَضَلَالَهَا.
وَذَابَتِ الْقَدَرِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَذَاهِبِ، وَظَهَرَ عَلَى أَثَرِهَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ.
وَأَحْيَانًا يُلَقَّبُ الْمُعْتَزِلَةُ بِالْجَهْمِيَّةِ; لِأَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَافَقُوا الْجَهْمِيَّةَ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ عَنِ اللَّهِ، وَفِي خَلْقِ الْقُرْآنِ.
وَيَذْكُرُ الشَّهْرِسْتَانِيُّ أَنَّ سَبَبَ تَسْمِيَتِهِمْ مُعْتَزِلَةً"أَنَّ وَاصِلَ بْنَ عَطَاءٍ -مُؤَسِّسَ الْمَدْرَسَةِ- حِينَ اخْتَلَفَ مَعَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي مَسْأَلَةِ مُرْتَكِبِي الْكَبِيرَةِ، وَأَدْلَى بِرَايِهِ فِيهَا، اعْتَزَلَ مَجْلِسَ الْحَسَنِ هُوَ وَبَعْضُ مَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّايِ، وَجَلَسَ قُرْبَ إِحْدَى إِسْطُوَانَاتِ الْمَسْجِدِ يَشْرَحُهُ لَهُمْ، فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ اعْتَزَلَ عَنَّا وَاصِلٌ، فَسُمِّيَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مُعْتَزِلَةً". .