جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ
أَوَّلُ ظُهُورِ مَذْهَبِهِ كَانَ"بتِرْمِذَ"، فَإِنَّهُ دَعَا إِلَيْهِ، وَحَاوَرَ فِيهِ وَجَادَلَ، ثُمَّ أَقَامَ بِبَلْخٍ، وَكَانَ يَحْصُلُ بَيْنَهُ هُنَاكَ وَبَيْنَ مُقَاتِلٍ مُنَاقَشَاتٌ وَمُجَادَلَاتٌ، وَكَانَ مُقَاتِلٌ مِنَ الْمُثْبِتِينَ الصِّفَاتِ، وَالْجَهْمُ مِمَّنْ يَقُولُونَ بِضِدِّ هَذَا.
وَبَالَغَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ"أَفْرَطَ جَهْمٌ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ حَتَّى قَالَ"إِنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ بِشَيْءٍ وَأَفْرَطَ مُقَاتِلٌ فِي مَعْنَى الْإِثْبَاتِ حَتَّى جَعَلَهُ مِثْلَ خَلْقِهِ"."
آرَاءُ جَهْمٍ وَالْجَهْمِيَّةِ: (1) أَوَّلَ آيَاتِ الصِّفَاتِ كُلَّهَا الْوَارِدَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَبِذَلِكَ نَفَى أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ -تَعَالَى- صِفَاتٌ غَيْرُ ذَاتِهِ.
(2) نَفَى رُؤْيَةَ اللَّهِ -تَعَالَى- فِي الْآخِرَةِ.
(3) نَفَى عَنْهُ صِفَةَ الْكَلَامِ.
(4) أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ.
وَيَرَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ جَهْمًا بَنَى مَذْهَبَهُ عَلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ.
وَأَنَّهُ تَأَوَّلَ الْقُرْآنَ عَلَى غَيْرِ تَاوِيلِهِ، وَكَذَّبَ بِأَحَادِيثِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَزَعَمَ أَنَّ مَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِشَيْءٍ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، أَوْ حَدَّثَ عَنْهُ رَسُولُهُ كَانَ كَافِرًا، وَكَانَ مِنَ الْمُشَبِّهَةِ، وَأَنَّ مَعْنَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
"أَيْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَهُوَ تَحْتَ الْأَرْضِ السَّبْعِ، كَمَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ، لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ، وَلَا يَكُونُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، وَلَمْ يُكَلَّمْ وَلَا تَكَلَّمَ وَلَا نَظَرَ إِلَيْهِ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يُوصَفُ، وَلَا يُعْرَفُ بِصِفَةٍ، وَلَا يَفْعَلُ، وَلَا لَهُ غَايَةٌ وَلَا مُنْتَهًى، وَلَا يُدْرَكُ بِعَقْلٍ، وَهُوَ وَجْهٌ كُلُّهُ، وَهُوَ عِلْمٌ كُلُّهُ، وَهُوَ سَمْعٌ كُلُّهُ، وَهُوَ بَصَرٌ كُلُّهُ، وَهُوَ نُورٌ كُلُّهُ، وَهُوَ قَدَرٌ كُلُّهُ، وَلَا يَكُونُ شَيْئَيْنِ، وَلَا يُوصَفُ بِوَصْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَسْفَلُ، وَلَا نَوَاحٍ وَلَا جَوَانِبُ، وَلَا يَمِينٌ وَلَا شِمَالٌ، وَلَا هُوَ خَفِيفٌ وَلَا ثَقِيلٌ، وَلَا لَهُ لَوْنٌ وَلَا لَهُ جِسْمٌ، وَلَيْسَ هُوَ بِمَعْمُولٍ وَلَا مَعْقُولٍ، وَكُلُّ مَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِكَ أَنَّهُ شَيْءٌ تَعْرِفُهُ فَهُوَ عَلَى خِلَافِهِ".