وَيَخْتَلِفُ الْمُؤَرِّخُونَ فِي"غَيْلَانَ"هَذَا، فَابْنُ نُبَاتَةَ فِي كِتَابِهِ"سَرْحِ الْعُيُونِ"، يَرَى أَنَّ غَيْلَانَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ، بَيْنَمَا نَرَى الْمَقْرِيزِيَّ فِي خُطَطِهِ يَقُولُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ فِيمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ.
وَهُنَاكَ فَرِيقٌ ثَالِثٌ يَقُولُ إِنَّ أَصْلَ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ إِنَّمَا هُوَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، كَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَنَصَّرَ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا الرَّايَ مَا يُرْوَى عَنْ الْإِمَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِهِ"الْفَتْوَى الْحَمَوِيَّةِ""مِنْ أَنَّ أَسَانِيدَ جَهْمٍ تَرْجِعُ إِلَى الْيَهُودِ وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ الضَّالِّينَ".
وَيَرَى أَحَدُ الْبَاحِثِينَ الْمُحْدَثِينَ أَنَّ مَا نَادَتْ بِهِ الْجَهْمِيَّةُ مِنْ إِثْبَاتِ الْقَدَرِ، وَمَا قَالَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ نَفْيِ الْقَدَرِ يَرْجِعُ إِلَى أُصُولٍ قَدِيمَةٍ عَمِيقَةٍ فِي الْقِدَمِ، فَيَقُولُ وَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ فِي نَفْيِ الْقَدَرِ وَإِثْبَاتِهِ، يَسْبِقُهُمَا مَذْهَبَانِ مُمَاثِلَانِ لِلْيُونَانِ، هُمَا مَذْهَبُ الْأَبِيقُورِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِحُرِّيَّةِ الْإِرَادَةِ، وَمَذْهَبُ الرِّوَاقِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ مُسَيَّرٌ لَا مُخَيَّرٌ.
وَعَلَى غِرَارِ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ مَذْهَبَانِ مُمَاثِلَانِ لِلْيَهُودِ، فَمِنْهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ يَنْفُونَ الْقَدَرَ، وَالْقَرَّاءُونَ يَقُولُونَ بِالْجَبْرِ.
ثُمَّ مَذْهَبَانِ تَالِيَانِ مَسِيحِيَّانِ فَالْمَسِيحِيُّونَ الشَّرْقِيُّونَ يَقُولُونَ إِنَّ الْإِنْسَانَ مُخَيَّرٌ، وَالْآخَرُونَ يَقُولُونَ بِالْجَبْرِ وَكَانَ يَحْيَى الدِّمَشْقِيُّ يَقُولُ بِالتَّخْيِيرِ، وَهُوَ طَبِيبٌ نَصْرَانِيٌّ لِبَنِي مَرْوَانَ"."
وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذِهِ الْآرَاءِ جَمِيعًا بِأَنَّ هَذِهِ الْفِكْرَةَ نَادَى بِهَا الْفَلَاسِفَةُ الْيُونَانُ، وَتَرَدَّدَتْ بَيْنَ الْمَدْرَسَةِ الْأَبِيقُورِيَّةِ وَالْمَدْرَسَةِ الرِّوَاقِيَّةِ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ إِلَى مَدْرَسَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، حَيْثُ تَقَبَّلَتْهَا الْيَهُودِيَّةُ وَالْمَسِيحِيَّةُ بِقَبُولٍ حَسَنٍ.
وَأَنَّ أَبَا يُونُسَ هَذَا -الَّذِي ادَّعَى الْإِسْلَامَ ثُمَّ أَعْلَنَ ارْتِدَادَهُ- أَحَدُ هَؤُلَاءِ الْأَفْرَادِ مِنْ مَدْرَسَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ الَّتِي نَادَتْ بِهَذِهِ الْآرَاءِ، فَتَلَقَّفَهَا مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ وَغَيْلَانُ الدِّمَشْقِيُّ، حَتَّى مَاتَ"مَعْبَدٌ"، فَانْفَرَدَ بِهَا"غَيْلَانُ".
يَقُولُ ابْنُ نُبَاتَةَ لَمَّا بَلَغَ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ مَقَالَةُ غَيْلَانَ فِي الْقَدَرِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ"يَا غَيْلَانُ، مَا هَذِهِ الْمَقَالَةُ الَّتِي بَلَغَتْنِي عَنْكَ فِي الْقَدَرِ."
فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هُوَ مَا بَلَغَكَ، فَأَحْضِرْ مَنْ أَحْبَبْتَ يُحَاجُّنِي، فَإِنْ غَلَبَنِي ضَرَبْتَ عُنُقِي فَأَحْضَرَ لَهُ الْإِمَامَ الْأَوْزَاعِيَّ، فَحَاجَجَهُ فَانْتَصَرَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِهِ هِشَامٌ فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ فَمَاتَ"."
آرَاءُ غَيْلَانَ الدِّمَشْقِيِّ:
يُمْكِنُ تَلْخِيصُ آرَائِهِ فِي الْآتِي: