الصفحة 16 من 339

إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْطِيلَ أَوِ التَّعْلِيلَ.

نَشْأَةُ الْجَهْمِيَّةِ وَحَقِيقَتُهَا

نَشْأَةُ الْجَهْمِيَّةِ

مَتَى نَشَأَتِ الْجَهْمِيَّةُ وَفِي أَيِّ الْبِقَاعِ كَانَ انْتِشَارُهَا؟.

أُنْشِئَتْ مَعَ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ أَمْ أَنَّ لَهَا جُذُورًا قَبْلَ ذَلِكَ؟.

وَإِذَا كَانَ، فَمَنَ الدُّعَاةُ الَّذِينَ سَبَقُوا جَهْمًا إِلَى الْمُنَادَاةِ بِآرَائِهَا؟ تِلْكَ الْآرَاءُ الَّتِي يَصِفُهَا الْبَعْضُ بِالْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ.

وَيَرَى الْفَرِيقُ الْآخَرُ بِأَنَّهَا زَنْدَقَةٌ، وَمُرُوقٌ عَنْ الدِّينِ.

إِنَّ الْإِمَامَ مُسْلِمًا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَرْوِي فِي صَحِيحِهِ حَدِيثًا يُحَدِّدُ فِيهِ أَوَّلَ الْمُنَادِينَ بِتِلْكَ الْآرَاءِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا جَهْمٌ آرَاءَهُ فِيمَا بَعْدُ، فَيَقُولُ"حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ زَهْرُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، قَالَ"كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ بِالْقَدَرِ فِي الْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ، فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ.

فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّهُ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَفَقَّهُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَانِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَلَّا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ.

قَالَ"فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ بِأَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ".

إِذَنْ، مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ -فِي رَايِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ - أَوَّلُ مَنْ نَادَى بِهَذِهِ الْآرَاءِ فِي الْعَقِيدَةِ، وَكَانَ لَهُ رَايٌ فِي السِّيَاسَةِ وَشُئُونِ الْحُكْمِ، وَثَارَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَتَلَهُ الْحَجَّاجُ صَبْرًا سَنَةَ 80هـ.

قُتِلَ مَعْبَدٌ، وَلَكِنَّ آرَاءَهُ بَقِيَتْ تَتَرَدَّدُ فِي مُحِيطِ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، بَيْنَ الرَّافِضِينَ لَهَا وَالْمُؤَيِّدِينَ لَهَا، الَّذِينَ يُسِرُّونَ بِهَا تَارَةً، وَيُعْلِنُونَ بِهَا مَرَّةً أُخْرَى، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، وَغَيْلَانُ الدِّمَشْقِيُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت