ثم قال: وقد تدبرت عامة ما يحتج به أهلُ الباطل على من هو أقربُ إلى الحق منهم، فوجدتُه إنما تكون حجةُ الباطل قويةً لما تركوه من الحق الذي أرسل اللَّهُ به رسوله، وأنزل به كتابه، فيكون ما تركوه من ذلك الحق من أعظم حجة المبطل عليهم، ووجدت كثيرًا من أهل الكلام الذين هم أقرب إلى الحق ممن يردون عليهم، يوافقون خصومَهم تارة على الباطل، ويخالفونهم في الحق تارة أخرى، ويستطيلون عليهم بما وافقوهم عليه من الباطل وبما خالفوهم فيه من الحق).ا.هـ من درء تعارض العقل والنقل (3/209) .
وقال ابن القيم في الصواعق المرسلة بعد سياقه لكلام ابن تيمية المتقدم: (وليس لمبطل بحمد الله حجةٌ ولا سبيلٌ بوجه من الوجوه على من وافق السنة، ولم يخرج عنها، حتى إذا خرج عنها قدر أنملة، تسلط عليه المبطل بحسب القدر الذي خرج به عن السنة، فالسنة حصن الله الحصين، الذي من دخله كان من الآمنين، وصراطه المستقيم الذي من سلكه كان إليه من الواصلين، وبرهانه المبين الذي من استضاء به كان من المهتدين) .ا.هـ من الصواعق المرسلة (4/1255) .
الثالث: الأهلية: وهي القدرة على الرد على المخالف، فليس كل من كان عنده حماسٌ للدين وغيرَةٌ عليه يشرع له الرد على المخالف، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33) فكل من يريد أن يرد على المخالف لا بد أن يرد الباطل إلى الحق، والحق لا يعرف إلا بالعلم، فمن لم يكن له علم فلا يجوز له أن يرد على الباطل.
لأن من لا علم عنده إذا رد على الباطل سيؤدي رده إلى مفسدة أعظم.