ثم من العجب أن الرافضة تنكر سبّ عليّ، وهم يسبّون أبا بكر وعمر وعثمان ويكفرونهم ومن والاهم. ومعاوية رضي الله عنه وأصحابه ما كانوا يكفرون عليًّا، وإنما يكفره الخوارج المارقون، والرافضة شر منهم. فلو أنكرت الخوارج السب لكان تناقضًا منها، فكيف إذا أنكرته الرافضة؟!
ولا ريب أنه لا يجوز سب أحد من الصحابة: لا عليّ ولا عثمان ولا غيرهما، ومن سب أبا بكر وعمر وعثمان فهو أعظم إثمًا ممن سب عليًّا، وإن كان متأولًا فتأويله أفسد من تأويل من سب عليًّا، وإن كان المتأول في سبهم ليس بمذموم لم يكن أصحاب معاوية مذمومين، وإن كان مذمومًا كان ذم الشيعة الذين سبوا الثلاثة أعظم من سب الناصبة الذين سبوا عليًّا وحده. فعلى كل تقدير هؤلاء أبعد عن الحق.
وفي الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه" [1] .
التحقيق في وفاة الإمام الحسن بن علي رضي الله عنه
وأما قوله:"إن معاوية سمَّ الحسن".
فهذا مما ذكره بعض الناس، ولم يثبت ذلك ببينة شرعية، أو إقرار معتبر، ولا نقل يجزم به، وهذا مما لا يمكن العلم به، فالقول به قول بلا علم. وقد رأينا في زماننا من يقال عنه: إنه سُمَّ ومات مسمومًا من الملوك وغيرهم، ويختلف الناس في ذلك، حتى في نفس الموضع الذي مات فيه ذلك الملك والقلعة التي مات فيها، فتجد كلًا منهم يحدث بالشيء بخلاف ما يحدث به الآخر، ويقول: هذا سمَّه فلان، وهذا يقول: بل سمَّه غيره لأنه جرى كذا، وهي واقعة في زمانك، والذين كانوا في قلعته هم الذين يحدثونك.
والحسن رضي الله عنه قد نُقل عنه أنه مات مسمومًا. وهذا مما يمكن أن يعلم، فإن موت المسموم لا يخفى، لكن يقال: إن امرأته سمَّته. ولا ريب أنه مات بالمدينة ومعاوية بالشام، فغاية ما يظن الظان أن يقال: إن معاوية أرسل إليها وأمرها بذلك، وقد يقال: بل سمته امرأته لغرض آخر مما تفعله النساء، فإنه كان مطلاقًا لا يدوم مع امرأة.
(1) رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم في فضائل الصحابة، ح (221 - 222) ، والإمام أحمد في مسنده (3: 11) .