الصفحة 55 من 69

الاقتتال، ثم قال: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 9] وهذا بغي بعد الاقتتال، فإنه بغى إحدى الطائفتين المقتتلتين لا بغي بدون الاقتتال، فالبغي المجرد لا يبيح القتال، مع أن الذي في الحديث أن عمارًا تقتله الفئة الباغية، قد تكون الفتئة التي باشرت قتله هم البغاة لكونهم قاتلوا لغير حاجة إلى القتال أو لغير ذلك، وقد تكون غير بغاة قبل القتال، لكن لما اقتتلتا بغيتا، وحينئذ قتل عمارًا الفئة الباغية. فليس في الحديث ما يدل على أن البغي كان منا قبل القتال، ولما بغينا كان عسكر علي متخاذلًا لم يقاتلنا. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: ترك الناس العمل بهذه الآية.

إذا التقى المسلمان بسيفيهما

وأما قوله:"إن معاوية قتل جمعًا كثيرًا من خيار الصحابة".

فيقال: الذين قُتلوا من الطائفتين، قتل هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء. وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليًّا ولا معاوية، وكان عليّ ومعاوية رضي الله عنهما أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين، لكن غلبا فيما وقع. والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها، وكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي، وهاشم بن عتبة المرقال، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبي الأعور السلمي، ونحوهم من المحرضين على القتال: قوم ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون لعليّ، وقوم ينفرون عنه.

ثم قتال أصحاب معاوية معه لم يكن لخصوص معاوية، بل كان لأسباب أخرى. وقتال الفتنة مثل قتال الجاهلية لا تنضبط مقاصد أهله واعتقاداتهم، كما قال الزهري:"وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم متوافرون، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فإنه هَدَر: أنزلوهم منزلة الجاهلية".

وأما ما ذكره من لعن عليّ، فإن التلاعن وقع من الطائفتين كما وقعت المحاربة، وكان هؤلاء يلعنون رؤوس هؤلاء في دعائهم، وهؤلاء يلعنون رؤوس هؤلاء في دعائهم. وقيل: إن كل طائفة كانت تقنت على الأخرى. والقتال باليد أعظم من التلاعن باللسان، وهذا كله سواء كان ذنبًا أو اجتهادًا: مخطئًا أو مصيبًا، فإن مغفرة الله ورحمته تتناول ذلك بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت