حتى هدم ما فعله ابن الزبير، ثم لما بلغه ذلك قال: وددت أني وليته من ذلك ما تولاه. مع أن حديث عائشة رضي الله عنها ثابت صحيح متفق على صحته عند أهل العلم، فلأن يخفى على معاوية وأصحابه قوله: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا" بطريق الأولى، مع أن هذا في أول خلافة عليّ رضي الله عنه لا يدل على عليّ عينا، وإنما علمت دلالته على ذلك لما مات رضي الله عنه، مع أنه ليس نصًا في إثبات خليفة معين.
ومن جوّز خليفتين في وقت يقول: كلاهما خلافة نبوة. فإن معاوية رضي الله عنه كان في أول خلافته محمودًا عندهم أكثر مما كان في آخرها.
وإن قيل: إن خلافة عليّ ثبتت بمبايعة أهل الشوكة، كما ثبتت خلافة من كان قبله بذلك أو ردوا على أن طلحة بايعه مكرهًا، والذين بايعوه قاتلوه، فلم تتفق أهل الشوكة على طاعته.
وأيضًا فإنما تجب مبايعته كمبايعة من قبله إذا سار سيرة من قبله. وأولئك كانوا قادرين على دفع الظلم عمَّن يبايعهم، وفاعلين لما يقدرون عليه من ذلك. وهؤلاء قالوا: إذا بايعناه كنا في ولايته مظلومين بولايته مع الظلم الذي تقدم لعثمان، وهو لا ينصفنا إما لعجزه عن ذلك، وإما تأويلًا منه، وإما لما ينسبه إليه آخرون منهم، فإن قتلة عثمان وحلفاءهم أعداؤنا، وهم كثيرون في عسكره، وهو عاجز عن دفعهم، بدليل ما جرى يوم الجمل، فإنه لما طلب طلحة والزبير الانتصار من قتلة عثمان، قامت قبائلهم فقاتلوهم.
ولهذا كان الإمساك عن مثل هذا هو المصلحة، كما أشار به عليّ على طلحة والزبير، واتفقوا على ذلك. ثم إن القتلة أحسوا باتفاق الأكابر، فأثاروا الفتنة وبدأوا بالحملة على عسكر طلحة والزبير، وقالوا لعليّ: إنهم حملوا قبل ذلك، فقاتل كل من هؤلاء وهؤلاء دفعًا عن نفسه، ولم يكن لعليّ ولا لطلحة والزبير غرض في القتال أصلًا، وإنما كان الشر من قتلة عثمان.
وإذا كان لا ينصفنا إما تأويلًا منه وإما عجزًا منه عن نصرتنا، فليس علينا أن نبايع من نُظلم بولايته لا لتأويله ولا لعجزه. قالوا: والذين جوزوا قتالنا قالوا: إنا بغاة، والبغي ظلم، فإن كان مجرد الظلم مبيحًا للقتال فلأن يكون مبيحًا لترك المبايعة أولى وأحرى، فإن القتال أعظم فسادًا من ترك المبايعة بلا قتال.
وإن قيل: عليّ رضي الله عنه لم يكن متعمدًا لظلمهم، بل كان مجتهدًا في العدل لهم وعليهم.
قالوا: وكذلك نحن لم نكن معتمدين للبغي، بل مجتهدين في العدل له وعليه. وإذا كنا بغاة التأويل. والله تعالى لم يأمر بقتال الباغي ابتداء، وليس مجرد البغي مبيحًا للقتال، بل قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] ، فأمر بالإصلاح عند