قيل: وعثمان كان مجتهدًا فيما فعل، وأين الاجتهاد في تخصيص بعض الناس بولاية أو إمارة أو مال، من الاجتهاد في سفك المسلمين بعضهم دماء بعض، حتى ذل المؤمنون وعجزوا عن مقاومة الكفار، حتى طمعوا فيهم وفي الاستيلاء عليهم؟ ولا ريب أنه لو لم يكن قتلا، بل كان معاوية مقيمًا على سياسة رعيته، وعليّ مقيمًا على سياسة رعيته، لم يكن في ذلك من الشر أعظم مما حصل بالاقتتال، فإنه بالاقتتال لم تزل هذه الفرقة ولم يجتمعوا على إمام، بل سفكت الدماء، وقويت العداوة والبغضاء وضعفت الطائفة التي كانت أقرب إلى الحق، وهي طائفة عليّ، وصاروا يطلبون من الطائفة الأخرى من المسالمة ما كانت تلك تطلبه ابتداء.
ومعلوم أن الفعل الذي تكون مصلحته راجحة على مفسدته، يحصل به من الخير أعظم مما يحصل بعدمه. وهنا لم يحصل بالاقتتال مصلحة، بل كان الأمر مع عدم القتال خيرًا وأصلح منه بعد القتال، وكان عليّ وعسكره أكثر وأقوى، ومعاوية وأصحابه أقرب إلى موافقته ومسالمته ومصالحته، فإذا كان مثل هذا الاجتهاد مغفورًا لصاحبه، فاجتهاد عثمان أن يكون مغفورًا أولى وأحرى.
وأما معاوية وأعوانه فيقولون: إنما قاتلنا عليًّا قتال دفع عن أنفسنا وبلادنا فإنه بدأنا بالقتال فدفعناه بالقتال ولم نبتدئه بذلك ولا اعتدينا عليه. فإذا قيل لهم: هو الإمام الذي كانت تجب طاعته عليكم ومبايعته وأن لا تشقوا عصا المسلمين. قالوا: ما نعلم أنه إمام تجب طاعته، لأن ذلك عند الشيعة إنما يعلم بالنص، ولم يبلغنا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نص بإمامته ووجوب طاعته. ولا ريب أن عذرهم في هذا ظاهر، فإنه لو قدر أن النص الجلي الذي تدعيه الإمامية حق فإن هذا قد كتم وأخفي في زمن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلم يجب أن يعلم معاوية وأصحابه مثل ذلك لو كان حقًا، فكيف إذا كان باطلًا؟!.
بين الخلافة والملك
وأما قوله:"الخلافة ثلاثون سنة"ونحو ذلك. فهذه الأحاديث لم تكن مشهورة شهرة يعلمها مثل أولئك، إنما هي من نقل الخاصة لا سيما وليست من أحاديث الصحيحين وغيرهما. وإذا كان عبد الملك بن مروا خَفي عليه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة رضي الله عنها: "لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين" ونحو ذلك،