وقد قيل: إن أباها الأشعث بن قيس أمرها بذلك، فإنه كان يتهم بالانحراف في الباطن عن عليّ وابنه الحسن.
وإذا قيل: إن معاوية أمر أباها، كان هذا ظنًا محضًا، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" [1] .
وبالجملة فمثل هذا لا يحكم به في الشرع باتفاق المسلمين، فلا يترتب عليه أمر ظاهر: لا مدح ولا ذم، والله أعلم. ثم إن الأشعث ابن قيس مات سنة أربعين، وقيل إحدى وأربعين، ولهذا لم يذكر في الصلح الذي كان بين معاوية والحسن بن علي، في العام الذي كان يسمى عام الجماعة، وهو عام أحد وأربعين، وكان الأشعث حما الحسن بن عليّ، فلو كان شاهدًا لكان يكون له ذكر في ذلك، وإذا كان قد مات قبل الحسن بنحو عشر سنين، فكيف يكون هو الذي أمر ابنته أن تسم الحسن؟ [2] والله سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة الحال، وهو يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. فإن كان قد وقع شيء من ذلك فهو من باب قتال بعضهم بعضًا كما تقدم، وقتال المسلمين بعضهم بعضًا بتأويل، وسب بعضهم بعضًا بتأويل، وتكفير بعضهم بعضًا بتأويل: باب عظيم، ومن لم يعلم حقيقة الواجب فيه وإلا ضل.
لا تزر وازرةٌ وزر أخرى
(1) الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه في: البخاري 8/ 19 (كتاب الأدب، باب ما نهى عنه من التحاسد والتدابر، باب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ .. ) ونصه: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا". والحديث أيضًا في: البخاري 4/ 5 (كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ} ) ، 7/ 19 (كتاب النكاح، باب لا يخطب على خطبة أخيه .. ) 8/ 148 - 149 (كتاب الفرائض، باب تعليم الفرائض) ، مسلم 4/ 1985 (كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن .. ) والحديث في سنن الترمذي والموطأ وفي مواضع كثيرة في المسند.
(2) الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكندي، أبو محمد، صحابي، وفد على النبي صلّى الله عليه وسلّم سنة عشر في سبعين راكبًا من كندة وكان من ملوك كنده، فأسلم، وشهد اليرموك فأصيبت عينه. امتنع عن تأدية الزكاة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه فحورب واستسلم، وأطلقه أبو بكر وزوجه أخته أم فروة، فأقام في المدينة وشهد الوقائع، وشارك في حروب العراق، وكان مع عليّ يوم صفين وحضر معه وقعة النهروان ثم عام إلى الكوفة فتوفى فيها سنة 40. روى له البخاري ومسلم تسعة أحاديث. انظر ترجمته في: الإصابة 1/ 66؛ الأعلام 1/ 333 - 334.