فالبغاة المتأولون كذلك لم تضمنهم الصحابة رضي الله عنهم، وإذا كان هذا في الدماء والأموال، مع أن من أتلفها خطأ ضمنها بنص القرآن فكيف في الأعراض؟ مثل لعن بعضهم بعضًا، وتكفير بعضهم بعضًا.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث الإفك، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي. والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا والله ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي". قال سعد بن معاذ: أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عبادة، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحميَّة، فقال: كذبتَ لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير فقال: كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فاستبّ الحيّان حتى جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخفضهم، وكان سعد بن عبادة رضي الله عنه يريد الدفع عن عبد الله بن أُبَيّ المنافق، فقال له أسيد بن خضير: إنك منافق، وهذا كان تأويلًا منه.
وكذلك ثبت في الصحيحين أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لحاطب بن أبي بلتعة: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، لما كاتب المشركين بخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إنه شهد بدرًا، وما يدريك أن الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم" [1] .
وثبت في الصحيحين أن طائفة من المسلمين قالوا في مالك بن الدُّخْشُن: إنه منافق، فأنكر النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك ولم يكفّرهم. فقد ثبت أن في الصحابة من قال عن بعض أمته: إنه منافق متأوّلًا في ذلك، ولم يكفّر النبي صلّى الله عليه وسلّم واحدًا منهما [2] .
(1) هذا جزء من حديث طويل عن علي رضي الله عنه في: البخاري 5/ 77 - 78 (كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدرًا) 6/ 149 (كتاب تفسير القرآن، سورة الممتحنة) ، مسلم 4/ 1941 - 1942 (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر .... ) ، سنن أبي داود 3/ 64 - 65 (كتاب الجهاد، باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلمًا) ، سنن الترمذي (5/ 82 - 84(كتاب التفسير، سورة الممتحنة) ، المسند (ط. المعارف) 2/ 36 - 37.
وجاء الحديث مختصارً بمعناه عن أبي هريرة في: سنن أبي داود 4/ 296 (كتاب السنة، باب في الخلفاء) ، المسند (ط. المعارف) 15/ 83 - 84.
(2) الحديث في البخاري 1/ 88 - 89 (كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت) عن ابن شهاب قال: أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك، وهو من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ممن شهد بدرًا من الأنصار أنه أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله قد أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم، ولم أستطيع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم، وددت يا رسول الله أنك تأتيني فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى. قال: فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "سأفعل إن شاء الله" قال عتبان: فغدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر حين ارتفع النهار، فاستأذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت، ثم قال: "أين تحب أن أصلي من بيتك"؟ قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فكبر، فقمنا فصفنا فصلى ركعتين، ثم سلم. قال: وحبسناه على خريزة صنعناها له. قال: فثاب في البيت رجال من أهل الدار ذوو عدد فاجتمعوا فقال قائل منهم: أين مالك بن الدُّخَيْشِن أو ابن الدَّخْشُن؟ فقال بعضهم: ذلك منافق لا يحب الله ورسوله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "لا تقل ذلك. ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله"؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: فإنا نرى وجه ونصيحته إلى المنافقين. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "فإن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجهه". والحديث في موضعين آخرين في: البخاري 7/ 72 - 73 (كتاب الأطعمة، باب الخزيرة) ، 9/ 18 (كتاب استتابة المرتدين، باب ما جاء في المتأولين) . وهو أيضًا عن عتبان بن مالك رضي الله عنه في: مسلم 1/ 455 - 456 (كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر) ك. المسند (ط. الحلبي) 5/ 449، 450.