قطعها ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "لا تقتله، فإنك إن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قالها" [1] .
فقد ثبت أن هؤلاء قتلوا قومًا مسلمين لا يحل قتلهم، مع هذا فلم يقتلهم النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولا ضمن المقتول بِقَوَدٍ ولا ديّة ولا كفّارة، لأن القاتل كان متأولًا. وهذا قول أكثر العلماء، كالشافعي وأحمد وغيرهما. ومن الناس من يقول: بل كانوا أسلموا ولم يهاجروا، فثبتت في حقهم العصمة المؤثّمة دون المضمّنة، بمنزلة نساء أهل الحرب وصبيانهم، كما يقوه أبو حنيفة وبعض المالكية. ثم إن جماهير العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه، والشافعي في أحد قوليه: يقولون: إن أهل العدل والبغاة إذا اقتتلوا بالتأويل لم يضمن هؤلاء ما أتلفوه لهؤلاء من النفوس والأموال حال القتال، ولم يضمن هؤلاء ما أتلفوه لهؤلاء.
كما قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم متوافرون، فأجمعوا أن كل دم أو مال أصيب بتأويل القرآن فإنه فعل محرمًا. وإن قيل: إنه محرم في نفس الأمر، فقد ثبت بسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المتواترة واتفاق المسلمين أن الكافر الحربيّ إذا قتل مسلمًا أو أتلف ما له ثم أسلم، لم يضمنه بقود ولا ديّة ولا كفّارة، مع أن قتله له كان من أعظم الكبائر، لأنه كان متأوّلًا، وإن كان تأويله فاسدًا.
وكذلك المرتدون الممتنعون إذا قتلوا بعض المسلمين، لم يضمنوا دمه إذا عادوا إلى الإسلام عند أكثر العلماء، كما هو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد، وإن كان من متأخري أصحابه من يحكيه قولًا، كأبي بكر عبد العزيز حيث قد نص أحمد على أن المرتد يضمن ما أتلفه بعد الردة.
فهذا النص في المرتد المقدور عليه، وذاك في المحارب الممتنع، كما يفرّق بين الكافر الذميّ والمحارب، أو يكون في المسألة روايتان، وللشافعي قولان، وهذا هو الصواب؛ فإن المرتدين الذين قاتلهم الصّدّيق وسائر الصحابة لم يضمنهم الصحابة بعد عودهم إلى الإسلام بما كانوا قتلوه من المسلمين وأتلفوه من أموالهم، لأنهم كانوا متأوّلين.
(1) الحديث عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه في: البخاري 5/ 85 (كتاب المغازي، باب رقم 12 حدثني خليفة حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري) ؛ مسلم 1/ 95 (كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله) ؛ سنن أبي داود 3/ 61 - 62 (كتاب الجهاد، باب على ما يقاتل المشركون؛ المسند(ط. الحلبي) 6/ 5 - 6.