الصفحة 45 من 69

ولهذا كان من مذاهب أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة، فإنه قد ثبتت فضائلهم، ووجبت موالاتهم ومحبتهم. وما وقع منه ما يكون لهم فيه عذر يخفى على الإنسان، ومنه ما تاب صاحبه منه، ومنه ما يكون مغفورًا. فالخوض فيما شجر يُوقع في نفوس كثير من الناس بُغضًا وذمًا، ويكون هو في ذلك مخطئًا، بل عاصيًا، فيضر نفسه ومن خاض معه في ذلك، كما جرى لأكثر أهل من تكلَّم في ذلك؛ فإنهم تكلموا بكلام لا يحبه الله ولا رسوله: أما من ذم من لا يستحق الذم، وإما من مدح أمور لا تستحق المدح.

ولهذا كان الإمساك طريقة أفاضل السلف. وأما غير هؤلاء فمنهم من يقول: كان معاوية فاسقًا دون عليّ، كما يقوله بعض المعتزلة. ومنهم من يقول: بل كان كافرًا، كما يقوله بعض الرافضة، ومنهم من يقول: كلاهما كافر: عليّ ومعاوية، كما يقوله بعض الخوارج. ومنه من يقول فسق أحدهما لا بعينه، كما يقوله بعض المعتزلة، ومنهم من يقول: بل معاوية على الحق وعليّ كان ظالمًا، كما تقول المروانية.

والكتاب - والسنة - قد دلّ على أن الطائفتين مسلمون، وأن ترك القتال كان خيرًا من وجوده. قال تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] فسمّاهم مؤمنين إخوة مع وجود الاقتتال والبغي.

وفي الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "تمرق مارقة على حين فُرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق" وهؤلاء المارقة مرقوا على عليّ، فدل على أن طائفته أقرب إلى الحق من طائفة معاوية.

وفي الصحيحين عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "إن ابني هذا سيد، وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المؤمنين" فأصلح الله به بين أصحاب عليّ ومعاوية، فمدح النبي صلّى الله عليه وسلّم الحسن بالإصلاح بينهما، وسماهما مؤمنين. وهذا يدل على أن الإصلاح بينهما هو المحمود، ولو كان القتال واجبًا أو مستحبًا، لم يكن تركه محمودًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت