الصفحة 44 من 69

وجه الصواب والخطأ في القتال بصفين

وأما قوله:"إنه بالغ في محاربة عليّ".

فلا ريب أنه اقتتل العسكران: عسكر عليّ ومعاوية بصفّين، ولم يكن معاوية ممن يختار الحرب ابتداء، بل كان من أشد الناس حرصًا على أن لا يكون قتال، وكان غيره أحرص على القتال منه. وقتال صفّين للناس فيه أقوال: فمنهم من يقول: كلاهما كان مجتهدًا مصيبًا، كما يقول كثير من أهل الكلام والفقه والحديث، ممن يقول: كل مجتهد مصيب، ويقول: كانا مجتهدَيْن. وهذا قول كثير من الأشعرية والكرَّامية والفقهاء وغيرهم، وهو قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم، وتقول الكرَّامية: كلاهما إمام مصيب، ويجوز نصب إمامين للحاجة.

ومنهم من يقول: بل المصيب أحدهما لا بعينه، وهذا قول طائفة منهم.

ومنهم من يقول: عليّ هو المصيب وحده، ومعاوية مجتهد مخطئ، كما يقول ذلك طوائف من أهل الكلام والفقهاء أهل المذاهب الأربعة.

وقد حكى هذه الأقوال الثلاثة أبو عبد الله بن حامد عن أصحاب أحمد وغيرهم.

ومنهم من يقول: كان الصواب أن لا يكون قتال، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، فليس في الاقتتال صواب، ولكن عليّ كان أقرب إلى الحق من معاوية، والقتال قتال فتنة ليس بواجب ولا مستحب، وكان ترك القتال خيرًا للطائفتين، مع أن عليًا كان أوْلَى بالحق.

وهذا قول أحمد وأكثر أهل الحديث أئمة الفقه، وهو قول أكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان [1] ، وهو قول عمران بن حُصيْن رضي الله عنه، وكان ينهي عن بيع السلاح في ذلك القتال، ويقول: هو بيع السلاح في الفتنة، وهو قول أسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأكثر من بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم.

(1) ذكر ابن طاهر البغدادي في كتابه"أصول الدين"، ص289:"أجمع أصحابنا (الأشاعرة) على أن عليًا رضي الله عنه كان مصيبًا في قتال أصحاب الجمل وفي قتال أصحاب معاوية بصفين، وقالوا في الذين قاتلوه بالبصرة إنهم كانوا على الخطأ"ثم قال (ص290) :"وقال أكثر الكرَّامية بتصويب الفريقين يوم الجمل، وقال آخرون منهم إن عليًا أصاب في محاربة أهل الجمل وأهل صفين، ولو صالحهم على شيء أرفق بهم لكان أولى وأفضل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت