قال أحمد بن حنبل: السيد الحليم يعين معاوية، وكان معاوية كريمًا حليمًا.
ثم إن خطب النبي صلّى الله عليه وسلّم لم تكن واحدة، بل كان يخطب في الجمع والأعياد والحج وغير ذلك. ومعاوية وأبوه يشهدان الخطب، كما يشهدها المسلمون كلهم. أفتراهما في كل خطبة كانا يقومان ويُمكِّنان من ذلك؟ هذا قدح في النبي صلّى الله عليه وسلّم وفي سائر المسلمين، إذ يمكِّنون اثنين دائمًا يقومان ولا يحضران الخطبة ولا خطبة الجمعة. وإن كان يشهدان كل خطبة، فما بالهما يمتنعان من سماع خطبة واحدة قبل أن يتكلم بها؟
ثم من المعلوم من سيرة معاوية أنه كان من أحلم الناس، وأصبرهم على من يؤذيه، وأعظم الناس تأليفًا لمن يعاديه، فكيف ينفر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، مع أنه أعظم الخلق مرتبة في الدين والدنيا، وهو محتاج إليه في كل أموره؟ فكيف لا يصبر على سماع كلامه وهو بعد المُلك كان يسمع كلام من يسبّه في وجهه؟ فلماذا لا يسمع كلام النبي صلّى الله عليه وسلّم؟ وكيف يتخذ النبي صلّى الله عليه وسلّم كاتبًا من هذه حاله؟
وقوله:"إنه أخذ بيد ابنه زيدًا أو يزيد"فمعاوية لم يكن له ابن اسمه زيد. وأما يزيد ابنه الذي تولّى بعده الملك وجرى في خلافته ما جرى، فإنما وُلد في خلافة عثمان باتفاق أهل العلم، ولم يكن لمعاوية ولد على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قال الحافظ أبو الفضل بن ناصر:"خطب معاوية رضي الله عنه في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يُزوَّج لأنه كان فقيرًا، وإنما تزوج في زمن عمر رضي الله عنه، ووُلد له يزيد في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة سبع وعشرين من الهجرة".
ثم نقول ثالثًا: هذا الحديث يمكن معارضته بمثله من جنسه بما يدل على فضل معاوية رضي الله عنه. قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب"الموضوعات" [1] :"قد تعصّب قوم ممن يدعي السنة، فوضعوا في فضل معاوية رضي الله عنه أحاديث ليغيظوا [2] الرافضة، وتعصّب قوم من الرافضة فوضعوا في ذمه أحاديث، وكلا الفريقين على الخطأ القبيح".
(2) الموضوعات: في فضله أحاديث ليغضبوا ...