الصفحة 42 من 69

فهو باطل؛ فإن هذه الآية نزلت بمكة، لما أكره عمّار وبلال على الكفر، وردة هذا كانت بالمدينة بعد الهجرة، ولو قُدِّر أنه نزلت فيه هذه الآية؛ فالنبي صلّى الله عليه وسلّم قد قَبِل إسلامه وبايعه.

وقد قال تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 86 - 89] .

حديث مكذوب يسيء إلى معاوية رضي الله عنه

وأما قوله:"وقد روى عبد الله بن عمر قال: أتيت النبي صلّى الله عليه وسلّم فسمعته يقول:"يطلع عليكم رجل يموت على غير سنتي"فطلع معاوية. وقام النبي صلّى الله عليه وسلّم خطيبًا، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم:"لعن الله القائد والمقود، أيّ يوم يكون للأمة مع معاوية ذي الإساءة"."

فالجواب: أن يقال: أولًا: نحن نطالب بصحة هذا الحديث؛ فإن الاحتجاج بالحديث لا يجوز إلا بعد ثبوته، ونحن نقول هذا في مقام المناظرة، وإلا فنحن نعلم قطعًا أنه كذب.

ويقال ثانيًا: هذا الحديث من الكذب الموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولا يوجد في شيء من دواوين الحديث التي يُرجع إليها في معرفة الحديث، ولا له إسناد معروف [1] . وهذا المحتج به لم يذكر له إسنادًا. ثم من جهله أن يروي مثل هذا عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمر كان من أبعد الناس عن ثلب الصحابة، وأروى الناس لمناقبهم، وقوله في مدح معاوية معروف ثابت عنه، حيث يقول: ما رأيت بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسْوَد من معاوية. قيل له: ولا أبو بكر وعمر؟ فقال: كان أبو بكر وعمر خيرًا منه، وما رأيت بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسود من معاوية [2] .

(1) لم أجد هذا الحديث لا في كتب الأحاديث الصحيحة ولا في كتب الأحاديث الموضوعة.

(2) قال ابن كثير في"البداية والنهاية"8/ 153:"وقال هشيم عن العوام عن جبلة بن سحيم عن ابن عمرو، قال: ما رأيت أحدًا أسْوَد من معاوية. قال: قلت: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرًا منه، وكان معاوية أسود منه. ورواه أبو سفيان الحيري عن العوام بن حوشب به. وقال: ما رأيت أحدً بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسود من معاوية. قيل: ولا أبو بكر؟ قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان خيرًا منه, وهو أسود. وروى من طرق عن ابن عمر مثله". وانظر تعليق أستاذي محب الدين الخطيب رحمه الله على العواصم من القواصم، ص204، ط. السلفية، 1371.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت